الطائفة القاتلة.. كيف اجتاحت إيران سوريا؟ (5-6)

الطائفة القاتلة.. كيف اجتاحت إيران سوريا؟ (5-6)
مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 28 مايو 2015 - 4:14 صباحًا

في العاشر من يونيو عام 2000 توفي حافظ الأسد.

حضر حسن نصر الله الجنازة، وحضر أيضًا الرئيس الإيراني برفقة جنرالاته.. كان لوجود الطرفان دِلالة على الحضور الطاغي لإيران وأتباعها في سوريا.

49553_1_1

ورث بشار الحكم، واعتمد على القاعدة الطائفية التي بناها الأب لترسيخ حكم آل الأسد في الداخل، وكذلك التحالفات الإقليمية التي تحمي النظام خارجيًا، وأهمها التحالف مع إيران.

ومنذ بداية حكمه، حرص بشار الأسد على اتباع نهج أبيه، فواصل تعزيز العلاقات مع شيعة سوريا.. وقد زاره رموز الشيعة مرات عديدة، ولم يفوتوا مناسبة دينية أو سياسية إلا وأعلنوا فيها تأييدهم ودعمهم للرئيس.

من جانبهم، استثمر الشيعة علاقتهم مع النظام، فحصلوا على تسهيلات غير اعتيادية بإنشاء الحسينيات والحوزات العلمية.

بل صار بإمكان أي رجل دين شيعي من خارج سوريا إقامة حسينية خاصة به، مثل رجل الدين الشيعي العراقي عبد الحميد المهاجر، الذي أنشأ عام 2001 مؤسسة تبشيرية نشطة باسم “هيئة خدمة أهل البيت”.

shiite-celebrations-in-india-ashura3

وقد قامت تلك المؤسسة بنشاط شيعي واسع في سوريا، وقامت بأول طقوس شيعية علنية في شوارع المحافظات السورية، وخصوصًا العاصمة، بشكل صدم السنّة الذين كانوا يشاهدون تلك الطقوس الغريبة للمرة الأولى في تاريخ سوريا الحديثة.

* * *

في الرابع عشر من فبراير عام 2005 ، اُغتيل رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في عملية معقدة من تدبير النظام السوري وبمعاونة من ميليشيا حزب الله الموالي له، وعلى الفور خرج السنّة في لبنان في تظاهرات حاشدة تطالب بخروج القوات السورية، واحتشد آلاف المتظاهرين في الشوارع فيما عُرف بثورة الأّرز التي شكلت بعد ذلك ما عُرف بقوى “14 آذار”.

Beirut, LEBANON: (FILES) A general view shows the site of a massive explosion which killed former Lebanese premier Rafiq Hariri in Beirut 14 February 2005. As Lebanon marks 14 February 2007 the second anniversary of the murder of the billionaire former prime minister, the nation's feuding pro- and anti-Syrian factions are poised for a standoff after government supporters announced plans to mark the anniversary in the same Beirut square where the opposition has been holding a sit-in for more than two months.  AFP PHOTO/ANWAR AMRO (Photo credit should read ANWAR AMRO/AFP/Getty Images)

وبعد أقل من ثلاثة شهور، وتحديدًا في السادس والعشرون من إبريل خرجت القوات السورية من لبنان تحت ضغط دولي، بعد أن لُطخت أيدي نظام الأسد بدماء رفيق الحريري.

كان ضلوع الأسد في اغتيال الحريري، سببًا في عزلة إقليمية جديدة أحاطت به، ودفعه ذلك إلى مزيد من التشبث بالعلاقة مع طهران، التي أصبحت حليفه الوحيد تقريبًا في المنطقة منذ ذلك التاريخ.

كما أن خروجه من لبنان، لم يجعل له بديلاً عن حليفه في الجنوب حسن نصر الله، وأصبح بشار الأسد محتاجًا لملالي إيران ونصر الله أكثر من أي وقت مضى.

استغلت إيران تلك الحاجة السورية إليها، فقامت بتوقيع اتفاقية عسكرية للتعاون والدفاع المشترك في منتصف يونيو عام 2006، توجت تحالف الطرفين.

بشار الاسد و احمدي نجاد و سيد حسن نصرالله

بعد ذلك بشهر شنت إسرائيل عدوانًا واسع النطاق على لبنان، لإبعاد عناصر حزب الله عن الحدود إلى ما وراء نهر الليطاني.

كان الرأي العام منقسمًا إزاء تلك الحرب، فممارسات نظام الأسد القمعية بحق السنّة في سوريا ولبنان، وكذلك ممارسات حزب الله الداعمة لديكتاتورية بشار الأسد، تسببت في فتور حماس الكثيرين لحزب الله، وإن تعاطف الجميع مع مشاهد الحرب والدمار التي أصابت لبنان.

لكن في سوريا، كان النظام قد جيّش وسائل إعلامه لصالح حزب الله، مستغلاً الحدث بشكل سياسي لتصفية حساباته مع أطراف إقليمية عدة، وإكساب شرعيته زخمًا جديدًا، عله يُنسي السوريون ما يعانونه في ظل حكم بشار الأسد من قمع وظلم.

لكن السوريون دعموا حزب الله في حربه ضد المحتل الإسرائيلي، وعلقوا أعلامه في بيوتهم، واستضافوا من نزح إليهم من لبنان، دون تفرقة بين طائفة أو دين، وأرسلوا تبرعات للمنكوبين جراء الحرب.

54

انتهى العدوان الإسرائيلي على لبنان في الحادي عشر من أغسطس، ليخرج حزب الله بخسائر ميدانية فادحة، بعدد قتلى تجاوز الألفين وتدمير هائل للبُنى التحتية، لكنه حقق انتصارًا معنويًا بحجم الدعاية الكبيرة التي وفرها له النظام السوري.

وما إن خرج الحزب من المعركة حتى راح يحصد انتصاره من خلال نشر التبشير الشيعي، فقد فُتحت له القلوب بانتصاره المزعوم.

وخلف الكواليس، كان حسن نصر الله قد حقق لإسرائيل ما أرادت، سمح بوجود قوات دولية على الحدود بينه وبين فلسطين المحتلة، تحمي في المقام الأول أمن إسرائيل.

بل وُصف دور الحزب بعد تلك الحرب بأنه يحمي إسرائيل فعليًا، فحزب الله الذي أشعل الحرب مع إسرائيل، خرج منها دون تحقيق أي تقدم ميداني، بل ثبّت قواعد جديدة من التعامل بين إسرائيل وحزب الله، تمثلت في بقاء الحدود هادئة، ما يعني أن وجود حزب الله هو ضمانة لاستقرار الحدود، على غرار الاستقرار الذي حققه نظام الأسد على جبهة الجولان طوال عقود طويلة.

بعد الحرب إذن، دخلت العلاقة بين الطرفين – إسرائيل وحزب الله – مرحلة السكون والاستقرار، فكأن الحرب كانت لتقاسم مناطق النفوذ وتوزيع الأدوار، ليس أكثر.

350

بحلول عام 2007 ، كانت سوريا قد أصبحت ساحة مستباحة لنشر التشيع.

آنذاك، قام المجلس الوطني للحقيقة والعدالة والمصالحة المعني بحقوق الإنسان في سوريا، قام بنشر إحصائية تفيد أن عدد الذين تشيعوا في كل أرجاء سوريا منذ عام 1919 إلى عام 2007، وصل في حده الأقصى إلى 75 ألف شخص، وهو رقم يعكس صعوبة عمل المبشرين الشيعة في مجتمع سنّي بالكامل كالمجتمع السوري، يعرف عن نفسه أنه كان حاضرة الخلافة السنيّة تاريخيًا، وتحفظ شوارعه تاريخ الوجود السنّي الممتد عبر قرون طويلة.

* * *

كان وصول بشار الأسد للسلطة في سوريا، لحظة تحول فارقة في نشاط نشر التشيع في سوريا، كما مثلت حرب تموز عام 2006 فرصة ثانية لفتح الأبواب أمام مزيد من أنشطة نشر التشيع مدفوعة بهالة بطولة زائفة أحاطت بحزب الله.

   91

في تلك الفترة، عمل الشيعة بنشاط في مناخ غير مسبوق من الحرية.

في مقابل ذلك، كانت حالة من الغضب المكتوم تسيطر على الشارع السنّي، الذي يعاني نظام حكم ديكتاتوري، لم يكتفِ بنهب الثروات وقمع الحريات، بل فتح المجال لطائفة بعينها، فيما أغلقه بوجه الأغلبية في سوريا.

كانت كل عوامل الغضب متوفرة لاندلاع ثورة، تطيح بالنظام وتحالفاته الطائفية، لكن لم يدرك السوريون آنذاك، أن النظام قد أعد العدة لذلك اليوم جيدًا وبنى حوله خندق من طائفته، ومكّن للعلويين السيطرة على أغلب مؤسسات الدولة وسلّحها بشكل جيد، سائرًا على نهج أبيه حافظ الأسد، الذي جمع الطائفة العلوية النصيرية حوله، وفتح لها الطريق كي تتواصل مع الإثنى عشرية في إيران، ليشكلا معًا حائط طائفي صلب.

لم يدرك السوريون أيضًا أن حزب الله الذي دعموه في حربه ضد المحتل الإسرائيلي وفتحوا له بيوتهم، سيعود من جديد، لكن هذه المرة لقتلهم.

كلمات دليلية
رابط مختصر