العدو الخفي.. شبكات التجسس الإيرانية في المنطقة العربية

العدو الخفي.. شبكات التجسس الإيرانية في المنطقة العربية
مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 18 مايو 2015 - 8:48 مساءً

حين انتصرت الثورة الإيرانية عام 1979 ، عاد الخميني على متن طائرة تابعة للخطوط الجوية الفرنسية، ليستقبله أتباعه معلنين بداية عهد جديد لإيران.

خلال فترة وجيزة، كان الخميني وأنصاره قد سيطروا على كل المؤسسات، وحولوا مسار الثورة، من ثورة شعبية قام بها الجميع، إلى ثورة استولى عليها الملالي ورجال الدين الشيعي وحدهم.

في الذكرى الأولى لانتصار الثورة، قال الخميني إن ثورته لن تقف عند حدود إيران، بل سيعمل وأنصاره على نشرها في بلدان العالمين: العربي والإسلامي، وبخاصة العراق ودول الخليج العربي ولبنان، ورفع شعارًا علنيًا هو شعار (تصدير الثورة إلى مختلف أنحاء العالم).

ولتحقيق هذه الغاية، أمر الخميني بتشكيل المنظمات الأمنية الداخلية والمليشيات الخارجية، التي استدعاها في أوقات كثيرة للقيام بأعمال إرهابية في بعض البلدان العربية كالكويت والسعودية.

كذلك خاض الخميني حربًا ضروسًا ضد الجار السنّي العراق، استمرت ثماني سنوات دموية، وكانت المفارقة أن أطول الحروب التي شهدتها المنطقة لم تكن بين محتل أجنبي ودولة إسلامية، بل حربًا شنها الخميني ضد جيرانه من المسلمين السنّة.

عكست الحرب الإيرانية طموح الخميني ورغبته في تصدير ثورته الشيعية ولو بالقوة، لبسط مزيد من نفوذ ملالي إيران في المنطقة.. لكن مع تغير موازين القوى في المنطقة، غيّر رجال الخميني تكتيكاتهم ولجأوا للتمدد داخل الدول السنيّة باستخدام أساليب تختلف عن المواجهات العسكرية المباشرة.. كان من أبرز تلك الأساليب استخدام شبكات التجسس.

* * *

تاريخيًا، اعتبرت الإمبراطورية الفارسية أن منطقة الخليج العربي هي امتداد طبيعي لحدودها، لكن بعد بزوغ فجر الإسلام، وامتداد الفتوحات إلى بلاد فارس، تبدد هذا الوهم لدى الفرس.

وفي العصر الحديث، وبعد نجاح ثورة الخميني، عادت أطماع الماضي تراود ملالي إيران من جديد.

أبرز الدول الخليجية التي استهدفتها إيران، كانت مملكة البحرين، التي زعمت إيران مرارًا أنها جزء من أراضيها.

كانت المملكة العربية السعودية أحد الدول التي تحركت بقوة من أجل الحفاظ على عروبة البحرين وربطها بمحيطها العربي عبر جسر ربط بين السعودية والبحرين، عارضته إيران بشدة.

ومع دخول البحرين مجلس دول التعاون الخليجي، شعرت إيران أن محاولاتها لاحتلال المملكة الخليجية أُحبِطت، فلجأت لأسلوب مختلف من أجل بسط السيطرة عليها..

دعمت إيران المعارضة الشيعية في البحرين، ومولت العشرات للقيام بأعمال إرهاب وتخريب من أجل زعزعة السلم الاجتماعي في المملكة.

لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فقد زرعت إيران العديد من شبكات التجسس ودعمتها بالأموال والسلاح، لتنفيذ أعمال قتل وتخريب في المملكة الخليجية.

ومنذ عام 2011 ، دأبت السلطات الأمنية البحرينية على القبض على عناصر منتمين لشبكات تجسس إيرانية، دعمتهم أجهزة الأمن الإيرانية للقيام بأعمال تخريب وإرهاب في المملكة.

واتهمت النيابة البحرينية الكثير من المتورطين في أحداث العنف بتلقى التمويل و الدعم من إيران وتلقى تدريبات من الحرس الثوري والباسيج على استخدام الأسلحة والمواد المتفجرة، وعرض الناطقين باسم الداخلية البحرينية في مؤتمرات صحفية عدة دلائل تورط المتهمين وعمالتهم لإيران.

أعمال العنف التي نفذها عناصر تابعة لإيران في البحرين، أشارت إلى أن ما يجري في البحرين هو بالأساس عمل استخباري هدفه احتلال البحرين من الداخل، بواسطة شبكة واسعة من العملاء والجواسيس والعناصر المسلحة المدربة والمدعومة من قِبل إيران.

وقد احتجت الحكومة البحرينية مرات لا حصر لها، على التدخل الإيراني في شؤونها، وأدانت في مؤتمرات صحفية كثيرة دعم إيران للعناصر الإرهابية داخل المملكة.

وقد ساندت العديد من الدول العربية مملكة البحرين في موقفها الرافض للممارسات الإيرانية، والداعم للجماعات الإرهابية داخل المملكة.

* * *

استغلت إيران ما عُرف بثورات الربيع العربي، وما أعقب أغلبها من اضطرابات وفراغ أمني، للقيام بزرع المزيد من شبكات التجسس داخل البلدان العربية.

لم يتوقف الأمر عند البحرين، فمنذ عام 2011 أعلنت أكثر من دولة عربية ضبط خلايا تجسس إيرانية على أراضيها، وقُدم عناصر تلك الخلايا للمحاكمات وسط صمت رسمي إيراني أو إشارات إعلامية تتجاهل الخبر أو تنفيه.

في 2012 كشف مسؤولون يمنيون عن أن قوات الأمن اليمنية أوقفت ست خلايا تجسس إيرانية مرتبطة بمركز قيادة ويشرف عليها ضابط سابق في الحرس الثوري الإيراني يشرف على عمليات الخلايا في اليمن والقرن الأفريقي. وهو الأمر الذي جعل الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي يخاطب الإيرانيين في يوليو من نفس العام قائلاً للإيرانيين «اتركوا اليمن وشأنه».

لكن إيران لم تترك اليمن وشأنه، فقد تم الكشف عن خمس شبكات تجسسية تعمل لصالح إيران وتمت إحالتها سابقًا إلى القضاء.. ومؤخرا تم الكشف عن شبكة سادسة. وإيران اتهمت أيضا من قبل صنعاء في السابق بدعم التمرد الحوثي الشيعي في شمال البلاد.. كما أعلنت وزارة الدفاع اليمنية في موقعها الرسمي أنه تم الكشف عن خلية من الجواسيس الإيرانيين كانوا يستوردون أجهزة عسكرية إلى اليمن.

وفي مطلع يناير عام 2012 ، أوقفت السلطات الأمنية اليمنية سفينة إيرانية تحمل اسم “جيهان 1 ” قرب الشواطئ اليمنية في خليج عدن، واكتشفوا أنها محملة بكميات هائلة من الأسلحة الإيرانية كان مزمع تسليمها لميليشيا الحوثي الشيعية الموالية لإيران.

فجرت تلك الأزمة غضب الشارع اليمني والحكومة، وتمت محاكمة المتهمين في خلية التهريب، لكن الأمور تغيرت بعد عامين، حين اقتحم مسلحو الحوثي العاصمة اليمنية صنعاء أواخر العام 2014 ، في انقلاب مسلح على الحكومة، واستولوا على مؤسسات الدولة، معلنين تدشين ثورة شيعية بزعامة عبد الملك الحوثي، وفي خضم تلك الأحداث أطلق المسلحون الحوثيون سراح أعوانهم من المدانين بتهم تهريب الأسلحة على متن السفينة “جيهان 1″، وكذا المتهمين في قضايا تجسس لصالح إيران.

بهذا كانت إستراتيجية إيران في زرع خلايا تجسس وتخريب تابعة لها، قد آتى ثماره، ولو مرحليًا في بلاد اليمن.

* * *

لم تكن بقية دول الخليج بعيدة عن مرمى إيران، فقد واصلت طهران استهداف دول عربية أخرى بزرع خلايا التجسس وتجنيد العناصر المسلحة وإنشاء ميليشيات تدين بالولاء لها.

ففي عام 2010 استدعت البحرين والكويت سفيريهما من طهران بسبب كشف شبكات تجسس إيرانية.

وقد أعلنت الكويت آنذاك أن شبكات التجسس الإيرانية قامت بتصوير المنشآت العسكرية الكويتية وسلمتها إلى الأجهزة العسكرية والأمنية الإيرانية.

وكانت النيابة العامة البحرينية قد أحالت المتهمين إلى المحاكمة بعد أن وجهت لهم تهمة التخابر «منذ 2002 وحتى أبريل (نيسان) 2010 في مملكة البحرين وخارجها»، مشيرة إلى أنهم «تخابروا مع من يعملون لمصلحة دولة أجنبية بقصد الإضرار بمركز الدولة الحربي والسياسي والاقتصادي وبالمصالح القومية».

وأشارت النيابة إلى أن المتهمين «تخابروا مع الحرس الثوري الإيراني بغرض إمداده بمعلومات عسكرية واقتصادية ويجمع عناصره بيانات ومعلومات تتعلق بمواقع عسكرية ومنشآت صناعية واقتصادية داخل البحرين بقصد الإضرار بالمصالح القومية للبلاد».

* * *

أما عن خلايا التجسس الإيرانية في الكويت فقد صدرت في الكويت أحكام بالسجن المؤبد على 4 أشخاص، بينهم إيرانيان بتهمة التجسس لصالح إيران عام 2010. وهذا كان حكم محكمة الاستئناف لأن المحكمة الابتدائية طالبت بإعدام هؤلاء الاثنين.

وذكرت صحيفة «القبس» الكويتية حينها أنه ومع تسارع المواقف السياسية بشأن أحكام الإعدام التي صدرت بحق أعضاء شبكة التجسس الإيرانية، كشفت مصادر مطلعة عن أن الشبكة التي تمت محاكمتها هي واحدة من أصل 8 شبكات تجسسية في البلاد.

ونسبت الصحيفة إلى المصادر قولها إن اثنتين من الشبكات السبع مسلحة وإن الملحق السياحي في السفارة الإيرانية علي ظهراني هو المسؤول الاستخباراتي للحرس الثوري الإيراني في الكويت ومنطقة الخليج. وقد غادر البلاد مع 3 دبلوماسيين في شهر ديسمبر من عام 2009 بعد ورود أسمائهم في التحقيق بقضية شبكة التجسس.

وكشفت المصادر آنذاك عن أن الملحق السياحي ظهراني عمل على تجنيد أعضاء الشبكات بالتعاون مع بعض الشركات التي تتغطى بأعمال السياحة في الكويت والخليج.

وقد تم إرسال بعض أعضاء هذه الشبكات للتدريب في إيران وبعض دول الجوار.

وقالت المصادر للصحيفة الكويتية، إن أعضاء الشبكتين المسلحتين تلقوا تدريبات على استخدام الأسلحة والمتفجرات، وإن مصدر القلق الرئيس هو أن شبكة التجسس زرعت أعضاءها في المؤسسة العسكرية وتحديدا الجيش، حيث وصلوا إلى معلومات دقيقة في الحاسب الآلي.

ولم تتوقف أنشطة شبكات التجسس الإيرانية في الكويت على نقل معلومات استخباراتية إلى طهران، بل قامت بتنفيذ العديد من أعمال العنف في الدولة الخليجية، مثل محاولة تفجير الطائرة الجابرية، واستهداف المدنيين والآمنين في الشوارع، بحسب اعتراف أتباع إيران أنفسهم.

* * *

يسيطر التوتر الدائم على علاقات الإمارات بإيران، فالأخيرة تحتل جزر عربية إماراتية منذ سبعينات القرن الماضي، وهو ملف طالما أثار التوتر في العلاقات بين البلدين.

لكن قضية الجزر الإماراتية المحتلة ليست السبب الوحيد للتوتر بين البلدين، فإيران لم تستثني الإمارات من أنشطتها التجسسية، على غرار ما فعلت في دول خليجية أخرى.

في منتصف يناير عام 2013 أصدرت المحكمة الاتحادية العليا في الإمارات حكمًا بالسجن سبع سنوات على المتهم سالم موسى فيروز خميس، إماراتي الجنسية بتهمة التخابر مع دولة أجنبية هي دولة إيران.

كان المتهم بحسب تحقيقات الأجهزة الأمنية، قد تخابر مع ضباط استخبارات إيرانيين في مقر القنصلية الإيرانية، وزودهم بمعلومات استخباراتية ومستندات تحتوي على معلومات عن القوات المسلحة الإماراتية وأماكن وجودها وتمركزها، كما قام بتجنيد ضابط بالقوات المسلحة لنفس الغرض.

* * *

يقول مراقبون إن إيران تسعى من خلال تكثيف عمليات التجسس في الدول العربية إلى تكوين بيئة اجتماعية وسياسية ملائمة لتوجهات نظام إيران في المنطقة، والترويج لمشروعها الذي تغلفه بغلاف الممانعة والمقاومة.

وتنظر طهران إلى التجسس على اعتبار أنه سلاح فعال يوفر عليها الكثير من الجهد والوقت والمال، لنشر أفكارها وتصدير مشروعها الذي لا تكف عن الترويج له بكل الوسائل الممكنة.

* * *

استُهدفت السعودية أيضًا بخلايا التجسس الإيرانية، ففي الحادي والعشرين من مارس عام 2013 ، أعلنت السلطات السعودية القبض على خلية تجسس تضم 10 أشخاص على صلة بإيران.

قبل ذلك، كانت السلطات السعودية اعتقلت في 19 مارس من نفس العام 18 شخصاً، بينهم لبناني وإيراني، بتهمة الانتماء إلى شبكة تجسس في المملكة وإقامة علاقات مباشرة مع أجهزة الاستخبارات الإيرانية.

وقد عانت السلطات السعودية جراء شبكات التجسس والخلايا الإيرانية، والتي قامت بعمليات إرهابية أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، على غرار ما جرى في موسم الحج عام 1989 ، عندما قامت عناصر مدعومة من إيرانية بتنفيذ تفجيرات إرهابية أسفرت عن سقوط العشرات من الضحايا.

* * *

لم تكن مصر بعيدة عن الاستهداف الإيراني بأعمال التخريب وزرع شبكات التجسس.

في عام 2005 ، اتهمت نيابة أمن الدولة العليا بمصر، الحرس الثوري الإيراني بتجنيد “محمود دبوس” المواطن المصري من مدينة السويس، لإرسال معلومات عن مصر والسعودية، والإعداد للقيام بعمليات تخريبية في كلا البلدين، وقد تم تجنيد المواطن المصري من خلال “محمد رضا حسين دوست” الموظف الإداري بمكتب رعاية المصالح الإيرانية بالقاهرة.

كان النظام في طهران معادي بشكل واضح وسافر للحكومة المصرية، بشكل جعل مصر متحفزة على الدوام لأي نشاط معادي ضدها، لدرجة أن الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، قال في أحد تصريحات التلفزيونية أن ولاء الشيعة كلهم يعود لإيران.

لم تتوقف محاولات إيران لاختراق المجتمع المصري عبر شبكات التجسس، فسعت لتطوير أساليبها، واستخادم ميليشياتها الموجودة في المنطقة.

ففي أواخر نوفمبر عام 2008 ، ألقت السلطات الأمنية المصرية القبض على خلية تجسس تابعة لمليشيا حزب الله اللبناني، الموالي لإيران، تضم 26 عنصرًا، كانت مهمتهم تجنيد بعض العناصر لعضوية التنظيم الشيعي لتنفيذ ما يكلفون به من قيادات الحزب للقيام بأعمال إرهابية عدائية داخل الأراضي المصرية، وتدريب العناصر المدفوعة من الخارج إلى مصر على إعداد العبوات الناسفة لاستخدامها في تلك العمليات.

ونُسبت إلى المتهمين وهم لبنانيان وخمسة فلسطينيين وسوداني و18 مصريًا عددًا من الاتهامات من بينها التخابر لصالح جهة أجنبية.

وفي عام 2010 ، أصدر القضاء المصري أحكامًا على أعضاء خلية حزب الله تتراوح بين المؤبد والسجن عشر سنوات.

وفي عام 2011 ، استغلت إيران حالة الفراغ الأمنية التي دخلت فيها مصر عقب الثورة، فاستمرت في محاولات زرع شبكات التجسس، إلى أن ألقت سلطات الأمن المصرية القبض على الدبلوماسي الإيراني “قاسم الحسيني” بتهمة التورط في شبكة تجسس.

كان الدبلوماسي الإيراني يعمل ضمن البعثة الدبلوماسية الإيرانية بالقاهرة، ويقوم بجمع معلومات استخباراتية تتعلق بمصر وأيضًا الساحة العربية خاصة الأوضاع بدول الخليج عن طريق زرع بعض العملاء.

كان تكرار الكشف عن دبلوماسيين يمتهنون التجسس، سببًا لأن تشكو عدة دول عربية، من بينها مصر والكويت، أن السفارات الإيرانية في الدول العربية هي في الأصل أوكار للتجسس وإيواء الجواسيس وتجنيد العملاء لصالح إيران.

* * *

يقول مراقبون وخبراء في الإستراتيجيات، أن المواجهات بين الدول لم تعد تعتمد على الحروب المباشرة، بل إن الدول الاستعمارية تحاول دومًا تطوير أساليبها لاختراق الدول المستهدفة.

من هنا، كان لجوء إيران لشبكات واسعة من الجواسيس لاختراق المجتمعات العربية، واستهداف أمنها واستقرارها، وتجنيد مزيد من الأتباع الذين يدينون بالولاء العقدي والسياسي لطهران.

تحدي يراه خبراء الإستراتيجية كبير، ويحتم على الدول العربية، بذل مزيد من الجهود للتصدي لزحف جواسيس إيران، بل واستخدام ذات الوسائل لاختراق نظام الملالي وقطع أذرعه وتحجيم خطره إلى داخل حدود إيران.

كلمات دليلية
رابط مختصر