مدينة حديثة: خفايا مدينة سنية موصوفة بالصمود

مدينة حديثة: خفايا مدينة سنية موصوفة بالصمود
مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 20 يوليو 2015 - 5:03 مساءً

ظلت مدينة “حديثة”، 140 كيلومترًا إلى الغرب من مدينة الرمادي، مركز محافظة الأنبار، محط اهتمام مختلف الأطراف؛ ففي العام 1991، ذكر الجنرال الأمريكي شوارسكوف، قائد عملية عاصفة الصحراء التي أدت إلى تحرير دولة الكويت من الغزو العراقي في عهد الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، أن أهم منطقة للإنزال الجوي كانت غرب الأنبار في مناطق أعالي الفرات بين مدينتي حديثة والقائم، على الحدود العراقية السورية.

وهي الرؤية التي يتشارك فيها مع قادة عسكريين عراقيين كبار، من بينهم الفريق رعد الحمداني، الذي يرى أهمية تلك المنطقة، وخشية الحكومة العراقية آنذاك من خروقات للقوات الخاصة الغربية بإنزالات جوية في صحراء حديثة، ومناطق الغابات في المنطقة الغربية.

بعد تشكيل التحالف الدولي في آب/ أغسطس 2014، وبدء الضربات الجوية ضد مواقع تنظيم الدولة الإسلامية؛ كان لمنطقة حديثة نصيبٌ من أولى تلك الضربات، أوائل أيلول/ سبتمبر 2014، لإسناد القوات الأمنية، والحشد الشعبي، وصحوات عشيرة الجغايفة في دفاعها عن المدينة، والقرى والمناطق المحيطة بسد حديثة، ثاني أكبر سد في العراق؛ لمنع أي تهديد محتمل نتيجة سقوط سد حديثة بيد التنظيم.

قضاء حديثة، هو القضاء الوحيد الذي لا تزال القوات الأمنية تفرض سيطرتها عليه من بين 8 أقضية أخرى يسيطر عليها تنظيم الدولة، ويعزو الكثير من المهتمين بالشأن العسكري أن عدم سقوط المدينة يعود لما صرحت به الإدارة الأمريكية أن سد القادسية التابع لمدينة حديثة سيكشل خطرًا حال وقع تحت سيطرة تنظيم الدولة؛ الأمر الذي ينقضه سقوط مدن أخرى فيها ما هو أهم من حديثة.

ويرى البعض أن قربها من قاعدة عين الأسد في البغدادي يمثل عنصرًا مهمًا في صمودها حتى الآن؛ الأمر الآخر الذي ينقضه أيضًا هو سقوط مدينة هيت الأقرب من حديثة لقاعدة عين الأسد، ويحظى القضاء باهتمام حكومي خاص من حيث حجم ونوعية القوات المنتشرة فيه، ونوع وكم السلاح المقدم لتلك القوات وقوات صحوات عشيرة الجغايفة المساندة لها، كما تحظى باهتمام خاص من حيث كثافة الطلعات الجوية لكل من الطيران الحربي العراقي وطيران التحالف الدولي.

تنظيم الدولة الإسلامية بث كلمة صوتية للمتحدث الرسمي باسمه، أبو محمد العدناني، مؤكدًا العفو العام، بلا استثناء، عن كل من ينتمي للصحوات والشرطة والجيش؛ بشرط التوبة وتسليم السلاح. وقد خص عشيرة الجغايفة، العدو الشرس واللدود لتنظيم الدولة، في آخر معاقل الحكومة غرب الأنبار، بتهديد، في حال عدم استجابتهم للعفو؛ بأن التنظيم “سيقتحم حديثة لا محالة، وحينها سيندمون؛ حيث سيكون انتقامًا حتى إذا مرت الناس بديارهم سيقولون، كان هنا جغايفة”، كما جاء على لسانه.

التساؤلات التي تثار حول خلفيات الاهتمام الحكومي قد لا تجد لها إجابات شافية؛ نظرًا لقلة المعلومات المنشورة عن حقيقة ما يجري في مدينة حديثة، والخشية التي تتملك أبناء المدينة من نشر أي معلومات تتعلق بطبيعة العلاقات بين المتنفذين من شيوخ عشائر، وعلماء دين وغيرهم، مع أطراف فاعلة في الحكومة العراقية، وشخصيات سياسية، أو دينية، شيعية، تولي المدينة اهتمامًا خاصًا، منذ سنوات سبقت الغزو الأمريكي للعراق، لأسباب تتعلق بنشر أفكار ومعتقدات خلاف ما هو سائد في المدينة.

إضافة إلى محاولة تعزيز طرق التواصل البري بين العراق وسوريا إتمامًا لمستلزمات المشروع الإيراني الجاري تنفيذه على جغرافيا تمتد من طهران إلى شواطئ البحر المتوسط، مرورًا بمدينة حديثة ووصولًا إلى القائم غرب العراق، ثم إلى مدن البو كمال ودير الزور في الجانب السوري، وهي المدن التي شهدت في عهد الرئيس السوري بشار الأسد حركة تشيع استقطبت عشائر بأكملها، ومدنًا عدّة في المنطقة الشرقية من سوريا.

حول خلفيات التحرك الشيعي، وأوجهه المختلفة منذ العام 2001، تحدث لـ “التقرير” المهندس أبو نديم، المقيم حاليًا في إحدى المدن التركية، وفد رفض الكشف عن هويته لأسباب تتعلق بخشيته على أقاربه الذين لا زالوا يعيشون في حديثة؛ حيث يقول: “حاولت بعض الأسر النجفية المعروفة منذ العام 2001 فتح قنوات اتصال مع بعض العوائل المتنفذة في حديثة لتأسيس موطئ قدم لها في عمق الأنبار، انطلاقًا من حديثة، لكن أغلب تلك المحاولات باءت بالفشل؛ بسبب قوة النظام القائم آنذاك، وسطوته الأمنية.

لكن تطورًا لافتًا شهدته المدينة في أعقاب غزو العراق في العام 2003، تمثل في إعلان عدد من شيوخ عشيرة الجغايفة عن تأسيس رابطة تحت مسمى السادة الموسوية، وعلى الرغم من الصلات الوثيقة التي بدأت تتكشف لعامة الناس بين هذه الرابطة وبعض الأسر النجفية؛ لكنها لم تأخذ نصيبها من الاهتمام، باستثناء بعض النخب المهتمة بمراقبة مثل هذه التحولات“.

ويروي أبو نديم عن زيارة “قام بها بعض شيوخ ووجهاء عشيرة الجغايفة إلى المرجع الشيعي علي السيستاني وأعلنوا بيعة العشيرة وولاءها للحوزة العلمية في النجف والمرجع السيستاني. ومما تناهى إلى مسامعنا في حينها: أنهم تعهدوا للمرجع السيستاني بأن يكونوا يده الضاربة في العراق الجديد، وهم ذراع الحوزة في المنطقة الغربية؛ وهو ما أعاد إلى الأذهان المحاولات الفاشلة للسير في هذا الاتجاه قبل الغزو“، حسب قوله.

خلاف غيرها من مدن الأنبار، يتم الترويج في مدينة حديثة لمنظمة “الإسلام المحمدي” التي “تقرر شرعية آل البيت في حق الولاية على المسلمين، وهو باب من أبواب نشر التشيع، وهو مشروع يدعمه شخصيًا رئيس جماعة علماء العراق، الشيخ خالد الملا، وتتم الدعوة إليه والترويج له من خلال إلزام أئمة وخطباء مساجد حديثة بالإشادة به وترغيب الناس فيه من على منابر الجمعة.

وقد أوكل الشيخ خالد الملا أحد المنتمين إلى عائلة الألوسي، وهو الشيخ عبد القادر بهجت الألوسي، مهمة تمثيله في المدينة بحماية مقاتلي صحوات الجغايفة التي يقودها عواد سعيد عصمان الجغيفي”، كما نقل مصدر مقرب من الشيخ عبد القادر بهجت الألوسي. ويذكر أن الشيخ الألوسي هو من أبناء حي الجولان في مدينة الفلوجة، وكان إمامًا لجامع الألوسي قبل أن ينتقل إلى مدينة حديثة بعد سيطرة تنظيم الدولة على الفلوجة أوائل العام 2014.

مصادر متعددة تمكن “التقرير” من الحديث معها، أجمعت على تواجد ممثل بارز للمرجع الشيعي علي السيستاني بصفة رسمية في مدينة حديثة، ويدير نشاطاته من أحد المباني في مجمع الموظفين التابع لمنشأة سد حديثة، وهو يشترط على أيّة جهة رسمية، أو غير رسمية، تروم تقديم المساعدات الإغاثية للمحاصرين في حديثة أن تقدم تلك المساعدات باسم منظمة “الإسلام المحمدي”؛ لكسب ود أبناء المدينة، وجرهم للقبول بما تطرحه تلك المنظمة.

فوجئت الأوساط الاجتماعية في الأنبار بصمود مدينة حديثة وعدم سقوطها بيد التنظيم الذي شن عليها أكثر من 35 هجومًا كبيرًا، وفق تصريحات رسمية. ويعزو أحد أبناء حديثة، العميد في الجيش السابق، المقيم في مدينة السليمانية، أسباب عدم سقوط المدينة دون غيرها في حديثه إلى أسباب عدّة، من بينها: “الاهتمام الكبير الذي توليه الحوزة في النجف، التي تقوم برفد مقاتلي عشيرة الجغايفة بمختلف أنواع المساعدات من خلال طائرات خصصت لهذا الغرض؛ ما دفع بالكثير من العشائر الأخرى إلى مبايعة عشيرة الجغايفة لقتال تنظيم الدولة طمعًا في هذه المساعدات، وخلاصًا لها من حالات الحصار والجوع وشحة الغذاء والوقود“، هذا على سبيل تعزيز المقاتلين وتعويض النقص في صفوفهم، والتقليل من احتمالات تصاعد حالات التسرب والفرار من القتال، كما يحصل في مناطق أخرى، لكن السبب الأهم، كما يرى العميد في الجيش السابق، يعود إلى “تزويد مقاتلي الجغايفة، ومن معهم على خط الدفاع عن المدينة من جهتها الغربية، بأحدث أنواع الأسلحة النوعية المتطورة، سواء إيرانية الصنع أو الأكثر تطورًا التي قدمتها الحكومة الأردنية بشكل مباشر، وهي عبارة عن أعداد كبيرة من المدافع ذاتية الحركة، والصواريخ الحرارية الموجهة ضد الآليات المدرعة، إضافة إلى الدعم والإسناد الجويين لطائرات القوة الجوية العراقية، والتحالف الدولي“، ويختم العميد حديثه بالقول: “ما حصلت عليه عشيرة الجغايفة من أموال وأسلحة ومساعدات إغاثية أمرٌ يثير الاستغراب والتساؤل لدى عشائر الأنبار الأخرى التي تعاني من إهمال حكومي حقيقي في تقديم المساعدات لها“.

منذ بداية الأزمة في الأنبار، قبل عام ونصف العام، أشارت الكثير من المعلومات التي تمكن “التقرير” من الحصول عليها، والتأكد منها عبر أكثر من مصدر، إلى تواجد سري لعدد من القيادات الدينية الشيعية في المدينة بحماية قادة صحوة الجغايفة؛ ففي الوقت الذي شهد الوسط العشائري في الأنبار انقسامات حادة حول القبول بمشاركة الحشد الشعبي للدفاع عن الرمادي، ومنع سقوطها، تبنت عشيرة الجغايفة موقفًا مغايرًا قبلت بموجبه دخول مقاتلي الحشد الشعبي إلى مدينة حديثة بأعداد جاوزت 1500 مقاتل، تسلموا مهام الإشراف على العمل الأمني في محيط المدينة، واستلام المفارز العسكرية على الطرق المؤدية إلى المدينة، خاصة طريق البغدادي، وقاعدتها المعروفة باسم قاعدة عين الأسد، إضافة إلى مداخل حديثة ومخارجها.

كما حصل “التقرير” على شهادات من أبناء المدينة، رفضوا الإفصاح عن أسمائهم، تفيد برفع مقاتلي عشيرة الجغايفة صور الحسين ورايات عصائب أهل الحق وحزب الله العراقي علنًا، وإذاعة الأناشيد الحماسية المعروفة بـ “اللطميات” عبر مكبرات الصوت خلال تجوالهم في شوارع المدينة، وهو ما يراه أبناء المدينة استفزازًا لمشاعرهم الدينية وقيمهم.

في إطار الاهتمام الشيعي المتزايد بمدينة حديثة، كلف البيت الشيعي النائب شيروان الوائلي بمتابعة شؤون المدينة بشكل مباشر، وبالأخص عشيرة الجغايفة والعشائر الأخرى المتحالفة معها في قتال تنظيم الدولة، بالتنسيق مع ناظم عطا الله الجغيفي، القائد العسكري لصحوة الجغايفة، وشقيقه عبد الله عطا الله الجغيفي، وقد قام الوائلي بفتح مكتب خاص للجغيفي في حي المنصور، وسط العاصمة “لاستقبال الوفود والتنسيق مع العشائر الأخرى، إضافة إلى إدامة التواصل مع الحكومة الأردنية التي تقدم الدعم المباشر لعشيرة الجغايفة عبر ناظم عطا الله الجغيفي“، حسبما قال أحد مقاتلي صحوة الجغايفة المقيم حاليًا في أربيل، وقد رفض الكشف عن اسمه.

بالإضافة إلى الدور الذي تلعبه منظمة الإسلام المحمدي، تَمّ مؤخرًا افتتاح منظمة رديفة تحمل اسم “رابطة آل البيت الهاشمي”، وتقوم بمنح بطاقات تعريف خاصة للشباب الذين يتعاونون مع الصحوات والحشد الشعبي؛ يسمح لمن يحملها بالدخول إلى كربلاء، والخروج منها، دون توقف أو مساءلة. وكان محافظ كربلاء قد أمر سرًا بتخصيص مجمع خاص لاستضافة مقاتلي صحوات الجغايفة، وذويهم فقط، منذ بداية الأزمة في الأنبار، وتقوم الحوزة الشيعية بمهمة رعاية هذا المجمع الخاص والإنفاق عليه.

على ما يبدو، هناك تغيير طائفي يجري في حديثة، التي يراد لها أن تكون مركزًا أمنيًا متقدمًا، ومنطلقًا لنشر التشيع في المنطقة الغربية مستقبلًا، وهناك عمل دؤوب في هذا الاتجاه تتولى مهامه صحوات عشيرة الجغايفة، وبعض علماء الدين السُنَّة، بمساندة ودعم مباشر من فصائل الحشد الشعبي وبمباركة الحوزة العلمية في النجف؛ فهل نحن بصدد استنساخ تجربة النموذج البديل لحزب الله اللبناني في بيروت والبقاع؟

المصدر - التقرير
كلمات دليلية
رابط مختصر