القراءة المقبولة والمردودة

القراءة المقبولة والمردودة
مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 29 أكتوبر 2015 - 12:24 مساءً

عبدالفتاح القاضي

ذكر علماء القراءات قاعدة تعرف بها القراءات المقبولة وتميز عن غيرها من القراءات الشاذة المردودة، وهذه القاعدة هي: كل قراءة وافقت اللغة العربية، ووافقت رسم أحد المصاحف العثمانية – وثبتت بطريق التواتر – نقول كل قراءة اجتمعت فيها هذه الأركان الثلاثة؛ موافقة اللغة. وموافقة أحد المصاحف. وثبوتها بطريق التواتر هي القراءة التي يجب قبولها ولا يحل جحدها وإنكارها وهي من جملة الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن الكريم. ومتى لم تتحقق هذه الأركان كلها أو بعضها في قراءة فهي قراءة شاذة مردودة، وينبغي أن يعلم أن أهم هذه الأركان هو الركن الثالث والركنين الأولين لازمان له إذ أنه متى تحقق تواتر القراءة لزم أن تكون موافقة للغة العرب، ولأحد المصاحف العثمانية، فالعمدة هو التواتر.

ومعنى قولهم: وافقت اللغة العربية أن تكون موافقة لوجه من وجوه النحو سواء أكان أفصح أم فصيحاً، فلا يشترط أن تكون على أفصح الأوجه ولذلك يقول الإمام الداني: وأئمة القرآن لا تعتمد في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية بل على الأثبت في الأثر، والأصح في النقل والرواية إذا ثبتت عنهم لا يردها قياس عربية، ولا فشو لغة لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها. ا هـ.

ومعنى قولهم: ووافقت أحد المصاحف أن تكون ثابتة ولو في بعضها كقراءة: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ بحذف الألف فهي ثابتة كذلك في المصحف المدني والشامي. وقراءة ﴿ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ ﴾ بزيادة الباءين فهي ثابتة في المصحف الشامي. وقراءة: ﴿ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ ﴾ في سورة التوبة في الموضع الأخير منها بزيادة لفظ من فهي ثابتة في المصحف المكي وهكذا، وموافقة المصاحف أو بعضها قد تكون تحقيقية وهي الموافقة الصريحة كقراءة ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ بحذف الألف فهي موافقة تحقيقاً لسائر المصاحف لأن الألف محذوفة في جميعها، وقد تكون الموافقة تقديرية احتمالية كقراءة الآية المذكورة بإثبات الألف فهي موافقة للرسم تقديراً واحتمالا على معنى أن إثبات الألف على احتمال وتقدير أنها ثابتة وحذفت في الرسم اختصاراً كما في مالك الملك فإنها قرئت بإثبات الألف للجميع مع حذفها اختصاراً في سائر المصاحف، ومعظم القراءات موافقة للرسم صراحة وتحقيقاً لأن المصاحف كتبت مجردة من النقط والشكل فكانت محتملة لما ورد من القراءات نحو ﴿ الْقُدُسِ ﴾ بالضم والإسكان، و﴿ يَعْمَلُونَ ﴾ بالغيبة والخطاب، و ﴿ نُنْشِزُهَا ﴾ بالزاي والراء، و ﴿ هَيْتَ لَكَ ﴾ بالهمزة والإبدال والفتح والضم وهكذا.

والتواتر نقل جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب عن جماعة كذلك من أول السند إلى منتهاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا، وقد جنح الشيخ مكي ابن أبي طالب وتبعه المحقق ابن الجزري إلى الاكتفاء بصحة السند وجعلاه مكان التواتر، قال الإمام النويري في شرح الطيبة: وهذا قول حادث مخالف لإجماع الفقهاء والمحدثين وغيرهم لأن القرآن عند الجمهور من أئمة المذاهب الأربعة منهم الغزالي وصدر الشريعة وموفق الدين المقدسي وغيرهم هو ما نقل بين دفتي المصحف نقلا متواتراً فالتواتر جزء من الحد فلا تتصور ماهية القرآن إلا به، وعلى هذا لا بد من حصول التواتر عند أئمة المذاهب الأربعة لم يخالف منهم أحد فيما علمت بعد الفحص الزائد، وصرح به جماعة لا يحصون منهم ابن عبد البر وابن عطية وابن تيمية، والنووي والأذرعي والسبكي والزركشي وابن الحاجب وغيرهم.

وأما القراء فأجمعوا أول الزمان على ذلك، وكذلك في آخره ولم يخالف من المتأخرين إلا أبو محمد مكي وتبعه بعض المتأخرين، ومن كلام علماء القراءة الدال على اشتراط التواتر ما صرح به الإمام الجعبري في شرح الشاطبية حيث يقول: (ضابط كل قراءة تواتر نقلها ووافقت العربية مطلقاً ورسم المصحف ولو تقديراً فهي من الأحرف السبعة وما لم يجتمع فيه ذلك فشاذ) ا هـ. ببعض تصرف إذا علمت هذا فالذي توفرت فيه الأركان الثلاثة المذكورة إنما هي القراءات العشر فحسب.

قال النويري:

أجمع الأصوليون والفقهاء على أنه لم يتواتر شيء مما زاد على القراءات العشرة وكذلك أجمع عليه القراء أيضا إلا من لا يعتد بخلافه ا هـ وقال الإمام ابن الجزري في منجد المقرئين: والذي جمع في زماننا الأركان الثلاثة هو قراءة الأئمة العشرة التي أجمع الناس على تلقيها بالقبول. وقال أيضاً في الكتاب المذكور: وقول من قال إن القراءات المتواترة لا حد لها إن أراد في زماننا فغير صحيح إذ لا يوجد اليوم قراءة متواترة وراء العشرة، وإن أراد في الصدر الأول فيحتمل إن شاء الله تعالى. ا هـ؛ ويؤخذ من هذه النقول أن القرآن لا يثبت إلا بطريق التواتر وأن التواتر لم يتحقق إلا في القراءات العشرة، وعلى هذا فكل قراءة وراء العشرة لا يحكم بقرآنيتها بل هي قراءة شاذة لا تجوز القراءة بها لا في الصلاة ولا خارجها.

قال الشيخ محيي الدين النووي:

ولا تجوز القراءة في الصلاة ولا في غيرها بالقراءات بالقراءات الشاذة وليست قرآناً لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر وأما الشاذة فليست متواترة فلو خالف وقرأ بالشاذ أنكر عليه سواء قرأ بها في الصلاة أو غيرها هذا هو الصواب الذي لا معدل عنه ومن قال غيره فهو غالط أو جاهل ا هـ. وقد نقل ابن عبد البر إجماع المسلمين على أنه لا يجوز القراءة بالشاذة وأنه لا يصلي خلف من قرأ بها، وقال ابن الصلاح وهو ممنوع من القراءة بما زاد على العشر منع تحريم لا منع كراهة في الصلاة وخارجها. وكذلك صرح ابن الحاجب وابن السبكي بتحريم القراءة بالشاذ، واستفتى الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني عن حكم القراءة بالشاذ فقال: تحرم القراءة بالشاذ وفي الصلاة أشد، ولا نعرف خلافا بين أئمة الشافعية في تفسير الشاذ أنه ما زاد على العشر بل منهم من ضيق فقال ما زاد على السبع ا هـ.

والحاصل أن القراءة إن خالفت العربية أو الرسم فهي مردودة إجماعا. ولو كانت منقولة عن ثقة مع أن ذلك بعيد بل لا يكاد يوجد، وإن وافقت العربية في الرسم ونقلت بطريق التواتر فهي مقبولة إجماعا، وإن وافقت العربية والرسم ونقلت عن الثقاب بطريق الآحاد فقد اختلف فيها فذهب الجمهور إلى ردها وعدم جواز القراءة بها في الصلاة وغيرها، سواء اشتهرت واستفاضت أم لا.

وذهب مكي بن أبي طالب وابن الجزري إلى قبولها وصحة القراءة بها بشرط اشتهارها واستفاضتها، أما إذا لم تبلغ حد الاشتهار والاستفاضة فالظاهر المنع من القراءة بها إجماعا.

ومن هنا يعلم أن الشاذ عند الجمهور ما لم يثبت بطريق التواتر، وعند مكي ومن وافقه ما خالف الرسم أو العربية ولو كان منقولاً عن الثقات، أو ما وافق الرسم والعربية ونقله غير ثقة أو نقله ثقة ولكن لم يتلق بالقبول ولم يبلغ درجة الاستفاضة والشهرة.

وبناء على هذا فالقراءات التي انفرد بنقلها الأئمة الأربعة أو أحدهم أو راو من رواتهم لا تجوز القراءة بها مطلقاً على رأي الجمهور ولو وافقت العربية والرسم لأنها لم تنقل بطريق التواتر.

وعلى رأي مكي وابن الجزري تجوز القراءة بما وافق العربية والرسم منها حيث كان صحيح السند وظفر بالشهرة والاستفاضة والتلقي بالقبول.

وإذ قد علمت أن القراءة الشاذة لا تجوز القراءة بها مطلقاً فاعلم أنه يجوز تعلمها وتعليمها، وتدوينها في الكتب، وبيان وجهها من حيث اللغة والإعراب والمعنى، واستنباط الأحكام الشرعية منها على القول بصحة الاحتجاج بها والاستدلال بها على وجه من وجوه اللغة العربية. وفتاوى العلماء قديماً وحديثاً مطبقة على ذلك والله تعالى أعلم.

المصدر: مجلة كنوز الفرقان؛ العددان: (الخامس والسادس)؛ السنة: (الخامسة)، جمادى الأولى والآخرة 1372 هـ.

رابط مختصر