معرفة المكي والمدني من القرآن

معرفة المكي والمدني من القرآن
مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 29 أكتوبر 2015 - 12:26 مساءً

أ. طاهر العتباني

(بحث مستخرج من الإتقان للسيوطي والبرهان للزركشي مع زيادات)

إنَّ مِن أشرف علوم القرآن علمَ نزوله وجهاته، وترتيب ما نزَل بمكة ابتداءً ووسطًا وانتهاء، وترتيب ما نزل بالمدينة كذلك، ثم ما نزل بمكة وحُكمُه مدني، وما نزل بالمدينة وحكمه مكِّي، وما نزل بمكة في أهل المدينة، وما نزل بالمدينة في أهل مكة، ثم ما يُشبِه نزول المكيِّ في المدني، وما يشبه نزول المدني في المكي، ثم ما نزل بالجُحْفة، وما نزل ببيت المقدس، وما نزل بالطائف، وما نزل بالحديبية، ثم ما نزل ليلاً، وما نزل نهارًا، وما نزل مشيَّعًا، وما نزل مُفرَدًا، ثم الآيات المدنيات في السور المكية، والآيات المكية في السور المدنية، ثم ما حُمل مِن مكة إلى المدينة، وما حُمل من المدينة إلى مكة، وما حمل من المدينة إلى أرض الحبشة، ثم ما نزل مجمَلاً، وما نزل مفسَّرًا، وما نزل مَرموزًا، ثم ما اختلفوا فيه.

هذه وُجوهٌ في هذا النوع من علوم القرآن، مَن لم يعرفها ويميِّز بينها لم يَحلَّ له أن يتكلم في كتاب الله تعالى.

هل نص النبي صلى الله عليه وسلم على بيان المكي والمدني؟

اعلم أن هذا يرجع لحفظ الصحابةِ وتابعيهم كما أنه لا بد في العادة مِن معرفة معظمي العالم والخطيب، وأهل الحرص على حِفظ كلامه، ومعرفة كتبه ومصنَّفاته من أن يَعرفوا ما صنَّفه أولاً وآخرًا، وحال القرآن في ذلك أمثَلُ، والحرص عليه أشدُّ، غير أنه لم يكن من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك قولٌ، ولا ورَدَ عنه أنه قال: اعلَموا أنَّ قدر ما نزَل بمكة كذا، وبالمدينة كذا، ولا فصَّله لهم، ولو كان ذلك منه لظهَر وانتشر، وإنما لم يفعله لأنَّه لم يُؤمَر به، ولم يجعل الله عِلم ذلك من فرائض الأمة، وإن وجَب في بعضه على أهل العلم معرفةُ تاريخ الناسخ والمنسوخ؛ ليعرف الحكم الذي تضمَّنَهما؛ فقد يُعرف ذلك بغير نص الرسول بعينه، وقولِه: هذا هو الأول المكِّي، وهذا هو الآخر المدني، وكذلك الصَّحابة والتابعون مِن بعدهم لَمَّا لم يَعتبروا أنَّ مِن فرائض الدين تفصيلَ جميع المكي والمدني مما لا يَسُوغ الجهل به – لم تتوفَّر الدواعي على إخبارهم به، ومواصلة ذِكره على أسماعهم، وأخذهم بمعرفته.

وإذا كان كذلك ساغ أن يختلف العلماءُ في بعض القرآن هل هو مكي أو مدني، وأن يُعمِلوا في القول بذلك ضربًا من الرأي والاجتهاد، وحينئذٍ فلم يلزم في النَّقلِ عنهم ذِكْرُ المكي والمدني، ولم يَجب على مَن دخل في الإسلام بعد الهجرة أن يَعرِف كلَّ آية أُنزلت قبل إسلامِه مكِّية أو مدنية، فيَجوز أن يقف في ذلك أو يَغلب على ظنِّه أحدُ الأمرين، وإذا كان كذلك بطَل ما توهَّموه من وجوب نقل هذا أو شُهرته في الناس، ولزوم العلم به لهم، ووجوب ارتفاع الخلاف فيه.

وللناس في المكي والمدني اصطلاحات ثلاثة:

الأول:

أن المكيَّ ما نزَل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعدها، سواءٌ نزل بمكَّة أم بالمدينة، عام الفتح أو عام حجة الوداع، أم بسفَرٍ من الأسفار.

قال يحيى بن سلام: ما نزل بمكَّة وما نزل في طريق المدينة قبل أن يَبلُغ النبيُّ صلى الله عليه وسلم المدينةَ فهو من المكي، وما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم في أسفاره بعدَما قَدِم المدينة فهو من المدني.

وهذا يُؤخَذ منه أن ما نزل في سفر الهجرة مكِّي اصطلاحًا.

الثاني:

أن المكيَّ ما نزَل بمكةَ ولو بعد الهجرة، والمدني ما نزل بالمدينة، وعلى هذا فما نزَل بالأسفار لا يُطلق عليه مكِّي ولا مدني.

ويدخل في مكة ضواحيها؛ كالمنزل بمنًى، وعرفات، والحديبية، وفي المدينة ضواحيها؛ كالمنزل ببدر، وأحُد، وسَلْع.

الثالث:

أن المكي ما وقع خطابًا لأهل مكة، والمدني ما وقع خطابًا لأهل المدينة، وحُمل على هذا قولُ ابن مسعود الآتي.

وإنما يُرجَع في معرفة المكي والمدني إلى حِفظ الصحابة والتابعين، ولم يَرِد عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في ذلك قولٌ؛ لأنه لم يؤمَر به، ولم يَجعل الله علمَ ذلك من فرائض الأمة، وإن وجَب في بعضه على أهل العلم معرفةُ تاريخ الناسخ والمنسوخ؛ فقد يُعرف ذلك بغير نصِّ الرسول.

أخرج البخاريُّ عن ابن مسعود أنه قال: “والذي لا إله غيره ما نزَلَت آيةٌ من كتاب الله تعالى إلا وأنا أعلم فيمن نزَلَت، وأين نزَلت”.

وقد ورد عن ابن عباس وغيره عدُّ المكي والمدني.

الأقوال في المكي والمدني:

القول الأول:

عن ابن عباس قال: “سألتُ أُبيَّ بن كعب عمَّا نزل من القرآن بالمدينة، فقال: نزَل بها سبعٌ وعشرون سورة، وسائرها بمكَّة”.

القول الثاني:

نزل بالمدينة: سورة الفاتحة، والبقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنفال، والتوبة، والنور، والأحزاب، وسورة محمد، والفتح، والحجرات، والحديد، وما بعدها إلى التحريم.

ونزل بمكة: سورة الأعراف، ويونس، وهود، ويوسف، والرعد، وإبراهيم، والحجر، والنحل، والإسراء، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء، والحج، والمؤمنون، والفرقان، والشعراء، والنمل، والقصص، والعنكبوت، والروم، ولقمان، والسجدة، وسبأ، وفاطر، ويس، والصافات، وص، والحوا ميم السبع، وق، والذاريات، والطور، والنجم، والقمر، والرحمن، والواقعة، والصف، والملك، والقلم، والحاقة، وسأل، وسورة نوح، والجن، والمزمل، والمدثر إلى آخر القرآن، إلا الزلزلة، والنصر، وقل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس فإنهن مدنيَّات.

القول الثالث:

أنزل الله من القرآن بمكة: اقرأ باسم ربك، والقلم، والمزمل، والمدثر، وتبت يدا أبي لهب، وإذا الشمس كورت، وسبح اسم ربك الأعلى، والليل إذا يغشى، والفجر، والضحى، وألم نشرح، والعصر، والعاديات، والكوثر، وألهاكم التكاثر، وأرأيت، وقل يا أيها الكافرون، وأصحاب الفيل، والفلق، وقل أعوذ برب الناس، وقل هو الله أحد، والنجم، وعبس، وإنا أنزلناه، والشمس وضحاها، والسماء ذات البروج، والتين الزيتون، ولإيلاف قريش، والقارعة، ولا أقسم بيوم القيامة، والهمزة، والمرسلات، وق، ولا أقسم بهذا البلد، والسماء والطارق، واقتربت الساعة، وص، والجن، ويس، والفرقان، والملائكة، وطه، والواقعة، وطسم، وطس، وطسم، وبني إسرائيل، ويونس، وهود، ويوسف، والحجر، والأنعام، والصافات، ولقمان، وسبأ، والزمر، وحم المؤمن، وحم الدخان، وحم السجدة، وحم عسق، وحم الزخرف، والجاثية، والأحقاف، والذَّاريات، والغاشية، وأصحاب الكهف، والنحل، ونوح، وإبراهيم، والأنبياء، والمؤمنون، والم السجدة، والطور، وتبارك، والحاقة، وسأل، وعم يتساءلون، والنازعات، وإذا السماء انشقت، وإذا السماء انفطرت، والروم، والعنكبوت، والفاتحة، والأعراف، ومريم.

وما نزل بالمدينة: ويل للمطففين، والبقرة، وآل عمران، والأنفال، والأحزاب، والمائدة، والممتحنة، والنساء، والزلزلة، والحديد، ومحمد، والرعد، والرحمن، وهل أتى على الإنسان، والطلاق، ولم يكن، والحشر، وإذا جاء نصر الله، والنور، والحج، والمنافقون، والمجادلة، والحجرات، ويا أيها النبي (صلى الله عليه وسلم) لِم تُحرِّم، والصف، والجمعة، والتغابن، والفتح، وبراءة.

القول الرابع:

عن ابن عباس قال: “كانت إذا أنزلت فاتحة الكتاب بمكة كتبت بمكة، ثم يَزيد الله فيها ما شاء، وكان أول ما أنزل من القرآن: اقرأ باسم ربك، ثم ن، ثم يا أيها المزمل، ثم يا أيها المدثر، ثم تبت يدا أبي لهب، ثم إذا الشمس كورت، ثم سبح اسم ربك الأعلى، ثم والليل إذا يغشى، ثم والفجر، ثم والضحى، ثم ألم نشرح، ثم والعصر، ثم والعاديات، ثم إنا أعطيناك، ثم ألهاكم التكاثر، ثم أرأيت الذي يكذب، ثم قل يا أيها الكافرون، ثم ألم تر كيف فعل ربك، ثم قل أعوذ برب الفلق، ثم قل أعوذ برب الناس، ثم قل هو الله أحد، ثم والنجم، ثم عبس، ثم إنا أنزلناه في ليلة القدر، ثم والشمس وضحاها، ثم والسماء ذات البروج، ثم والتين، ثم لإيلاف قريش، ثم القارعة، ثم لا أقسم بيوم القيامة، ثم ويل لكل همزة، ثم والمرسلات، ثم ق، ثم لا أقسم بهذا البلد، ثم والسماء والطارق، ثم اقتربت الساعة، ثم ص، ثم الأعراف، ثم قل أوحي، ثم يس، ثم الفرقان، ثم الملائكة، ثم كهيعص، ثم طه، ثم الواقعة، ثم طسم الشعراء، ثم طس، ثم القصص، ثم بني إسرائيل، ثم يونس، ثم هود، ثم يوسف، ثم الحجر، ثم الأنعام، ثم الصافات، ثم لقمان، ثم سبأ، ثم الزمر، ثم حم المؤمن، ثم حم السجدة، ثم حم عسق، ثم حم الزخرف، ثم الدخان، ثم الجاثية، ثم الأحقاف، ثم الذاريات، ثم الغاشية، ثم الكهف، ثم النحل، ثم إنا أرسلنا نوحًا، ثم سورة إبراهيم، ثم الأنبياء، ثم المؤمنين، ثم تنزيل السجدة، ثم الطور، ثم تبارك الملك، ثم الحاقة، ثم سأل، ثم عم يتساءلون، ثم النازعات، ثم إذا السماء انفطرت، ثم إذا السماء انشقت، ثم الروم، ثم العنكبوت، ثم ويل للمطففين. فهذا ما أنزل الله بمكة.

ثم أنزل بالمدينة: سورة البقرة، ثم الأنفال، ثم آل عمران، ثم الأحزاب، ثم الممتحنة، ثم النساء، ثم إذا زلزلت، ثم الحديد، ثم القتال، ثم الرعد، ثم الرحمن، ثم الإنسان، ثم الطلاق، ثم لم يكن، ثم الحشر، ثم إذا جاء نصر الله، ثم النور، ثم الحج، ثم المنافقون، ثم المجادلة، ثم الحجرات، ثم التحريم، ثم الجمعة، ثم التغابن، ثم الصف، ثم الفتح، ثم المائدة، ثم براءة”.

القول الخامس:

عن علي بن أبي طلحة قال: نزلت بالمدينة سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنفال، والتوبة، والحج، والنور، والأحزاب، والذين كفروا، والفتح، والحديد، والمجادلة، والحشر، والممتحنة، والحواريين – يريد الصَّف – والتغابن، ويا أيها النبي إذا طلقتم النساء، ويا أيها النبي (صلى الله عليه وسلم) لِم تُحرِّم، والفجر، والليل، وإنا أنزلناه في ليلة القدر، ولم يكن، وإذا زلزلت، وإذا جاء نصر الله. وسائر ذلك بمكة”.

وقال أبو بكر بن الأنباري: حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، حدثنا حجَّاج بن مِنْهال، نبَّأنا هشامٌ عن قتادةَ قال: “نزل في المدينة من القرآن: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، وبراءة، والرعد، والنحل، والحج، والنور، والأحزاب، ومحمد، والفتح، والحجرات، والحديد، والرحمن، والمجادلة، والحشر، والممتحنة، والصف، والجمعة، والمنافقون، والتغابن، والطلاق، ويا أيها النبي (صلى الله عليه وسلم) لم تُحرم إلى رأس العشر، وإذا زلزلت، وإذا جاء نصر الله. وسائر القرآن نزل بمكة”.

القول السادس:

أول ما نزل من القرآن بمكة: {اقرأ باسم ربك}، ثم {ن والقلم}، ثم {يا أيها المزمل}، ثم {يا أيها المدثر}، ثم {تبت يدا أبي لهب}، ثم {إذا الشمس كورت}، ثم {سبح اسم ربك الأعلى}، ثم {والليل إذا يغشى}، ثم {والفجر}، ثم {والضحى}، ثم {ألم نشرح}، ثم {والعصر}، ثم {والعاديات}، ثم {إنا أعطيناك الكوثر}، ثم {ألهاكم التكاثر}، ثم {أرأيت الذي}، ثم {قل يا أيها الكافرون}، ثم سورة الفيل، ثم الفلق، ثم الناس، ثم {قل هو الله أحد}، ثم {والنجم إذا هوى}، ثم {عبس وتولَّى}، ثم {إنا أنزلناه}، ثم {والشمس وضحاها}، ثم {والسماء ذات البروج}، ثم {والتين والزيتون}، ثم {لإيلاف قريش}، ثم {القارعة}، ثم {لا أقسم بيوم القيامة}، ثم الهمزة، ثم المرسلات، ثم {ق، والقرآن}، ثم {لا أقسم بهذا البلد}، ثم الطارق، ثم {اقتربت الساعة}، ثم {ص والقرآن}، ثم الأعراف، ثم الجن، ثم {يس}، ثم الفرقان، ثم الملائكة، ثم مريم، ثم طه، ثم الواقعة، ثم الشعراء، ثم النمل، ثم القصص، ثم بني إسرائيل، ثم يونس، ثم هود، ثم يوسف، ثم الحجر، ثم الأنعام، ثم الصافات، ثم لقمان، ثم سبأ، ثم الزمر، ثم حم المؤمن، ثم حم السجدة، ثم حم عسق، ثم حم الزخرف، ثم حم الدخان، ثم حم الجاثية، ثم حم الأحقاف، ثم والذاريات، ثم الغاشية، ثم الكهف، ثم النحل، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم الأنبياء، ثم المؤمنون، ثم {الم تنزيل}، ثم {والطور}، ثم الملك، ثم {الحاقة}، ثم {سأل سائل}، ثم {عم يتساءلون}، ثم {والنازعات}، ثم {إذا السماء انفطرت}، ثم {إذا السماء انشقت}، ثم الروم.

واختلفوا في آخر ما نزل بمكة فقال ابن عباس: العنكبوت، وقال الضحاك وعطاء: المؤمنون، وقال مجاهد: {ويل للمطففين}.

فهذا ترتيب ما نزل من القرآن بمكة، وعليه استقرَّت الرواية من الثقات، وهي خمسٌ وثمانون سورة.

أما ما نزل بالمدينة فهو تسع وعشرون سورة؛ فأول ما نزل فيها: سورة البقرة، ثم الأنفال، ثم آل عمران، ثم الأحزاب، ثم الممتحنة، ثم النساء، ثم {إذا زلزلت}، ثم الحديد، ثم محمد، ثم الرعد، ثم الرحمن، ثم {هل أتى}، ثم الطلاق، ثم {لم يكن}، ثم الحشر، ثم {إذا جاء نصر الله}، ثم النور، ثم الحج، ثم المنافقون، ثم المجادلة، ثم الحجرات، ثم {يا أيها النبي لم تحرم}، ثم الصف، ثم الجمعة، ثم التغابن، ثم الفتح، ثم التوبة، ثم المائدة.

والبعض يقدِّم المائدة على التوبة: “وقرأ النبيُّ صلى الله عليه وسلم المائدة في خطبة حجة الوداع، وقال: ((يا أيها الناس، إنَّ آخر القرآن نزولاً سورة المائدة، فأحِلُّوا حلالها، وحرِّموا حرامها))”.

القول السابع:

وقال أبو الحسن بن الحصار في كتابه الناسخ والمنسوخ: المدني باتفاق عشرون سورة، والمختلف فيه اثنتا عشرة سورة، وما عدا ذلك مكي باتفاق.

بيان السور المختلف فيها:

1- سورة الفاتحة: الأكثرون على أنها مكية، بل ورد أنها أول ما نزل، واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي ﴾ [الحجر: 87]، وقد فسَّرها النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالفاتحة كما في الصحيح، وسورة الحجر مكية باتفاق، وقد امتن على رسوله فيها بها، فدلَّ على تقدُّم نزول الفاتحة عليها؛ إذ يَبعُد أن يمتن عليه بما لم يَنزِل بعد، وبأنه لا خلاف أنَّ فرضَ الصلاة كان بمكة، ولم يُحفظ أنه كان في الإسلام صلاةٌ بغير الفاتحة، واشتهر عن مجاهد القول بأنها مدنيَّة، وقد نقَل ابن عطية القول بذلك عن الزهري، وعطاء، وسوادة بن زياد، وعبدالله بن عبيد بن عمير.

وذهَب بعضهم إلى أنها نزلت مرَّتين؛ مرة بمكة، ومرة بالمدينة؛ مبالغةً في تشريفها. وقيل: إنها نزلَت نِصفين؛ نصفها بمكة، ونصفها بالمدينة.

2- سورة النساء: زعم النحَّاس أنها مكية؛ مستنِدًا إلى أن قوله: ﴿ إن الله يأمركم ﴾ الآية نزلَت بمكة اتفاقًا في شأن مفتاح الكعبة، وذلك مستندٌ واهٍ؛ لأنه لا يَلزم من نزول آية أو آياتٍ من سورة طويلة نزَل معظمُها بالمدينة – أن تكون مكيَّة؛ خصوصًا أن الأرجح أنَّ ما نزل بعد الهجرة مدني، ومَن راجع أسباب نزول آياتها عرَف الردَّ عليه، ومما يُردُّ عليه به أيضًا ما أخرجه البخاري عن عائشة قالت: “ما نزلَت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عندَه”، ودخولها عليه كان بعد الهجرة اتفاقًا.

وقيل: نزلت عند الهجرة.

3- سورة يونس: المشهور أنها مكية، وعن ابن عباس روايتان.

ومن طريق عثمان بن عطاء عن أبيه عن ابن عباس أنها مدنية.

ويؤيِّد المشهورَ ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما بعث الله محمدًا رسولاً أنكرَت العربُ ذلك أو مَن أنكر ذلك منهم، فقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرًا، فأنزل الله تعالى: ﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا ﴾ [يونس: 2] الآية.

4- سورة الرعد: من طريق مجاهد عن ابن عباس، وعن علي بن أبي طلحة أنها مكية، وفي بقية الآثار أنها مدنية.

وعن أبي بِشْر قال: سألتُ سعيد بن جبير عن قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ﴾ [الرعد: 43] أهو عبدالله بن سلام؟ فقال: كيفَ وهذه السورة مكية؟!

ويؤيد القولَ بأنها مدنية ما أخرجه الطبرانيُّ وغيره عن أنس أن قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى ﴾ [الرعد: 8] إلى قوله: ﴿ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ﴾ [الرعد: 13] نزَل في قصَّة أربد بن قيس، وعامر بن الطفيل، حين قَدِما المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والذي يُجمَع به بين الاختلاف: أنها مكيَّة إلا آيات.

5- سورة الحج: تقدم من طريق مجاهد عن ابن عباس أنها مكية إلا الآيات التي استَثْناها، وفي الآثار الباقية: أنها مدنية.

وأخرج ابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس، ومن طريق ابن جُرَيجٍ وعثمانَ عن عطاء عن ابن عباس، ومن طريق مجاهد عن ابن الزبير: أنها مدنية.

قال ابن الفرس في أحكام القرآن: وقيل: إنها مكية إلا: ﴿ هَذَانِ خَصْمَانِ ﴾ [الحج: 19] الآيات.

وقيل: إلا عشر آيات.

وقيل: مدنية إلا أربع آيات: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ ﴾ [الحج: 52] إلى: ﴿ عَقِيمٍ ﴾ [الحج: 55]؛ قاله قتادةُ وغيره.

وقيل: كلها مدنية؛ قاله الضحاك وغيره.

وقيل: هي مختلطة فيها مدني ومكِّي، وهو قول الجمهور.

ويؤيد قولَ الجمهور أنه ورد في آياتٍ كثيرة منها أنه نزل بالمدينة.

6- سورة الفرقان: الجمهور على أنها مكية.

وقال الضحاك: مدنية.

7- سورة يس: حكى أبو سليمان الدمشقي أنها مدنية، وهو قول ليس بالمشهور.

8- سورة ص: حكى الجعبري قولاً أنها مدنية؛ خلاف حكاية جماعة الإجماع على أنها مكية.

9- سورة محمد: حكى النَّسفي قولاً غريبًا أنها مكية.

10- سورة الحجرات: حُكي قول شاذ أنها مكية.

11- سورة الرحمن: الجمهور على أنها مكية، وهو الصواب، ويدل له ما رواه الترمذيُّ والحاكم عن جابر قال: لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه سورة الرحمن حتى فرَغ قال: ((ما لي أراكم سُكوتًا! لَلجِنُّ كانوا أحسنَ منكم ردًّا؛ ما قرأتُ عليهم من مرة: ﴿ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ [الرحمن: 13] إلا قالوا: ولا بشيءٍ من نِعَمك – ربَّنا – نُكذِّب، فلك الحمد)).

قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وقصة الجن كانت بمكة.

وأصرحُ منه في الدلالة ما أخرجه أحمدُ في مسنده بسنَدٍ جيِّد عن أسماءَ بنتِ أبي بكر قالت: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلِّي نحو الرُّكن، قبل أن يَصدَعَ بما يؤمر، والمشركون يَسمعون: ﴿ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ [الرحمن: 13]، وفي هذا دليلٌ على تقدُّم نزولها على سورة الحجر.

12- سورة الحديد: الجمهورُ على أنها مدنية، وقال قوم: إنها مكية، ولا خلاف أنَّ فيها قرآنًا مدَنيًّا، لكن يُشبه صَدرُها أن يكون مكيًّا.

قال السيوطي: الأمر كما قال؛ ففي مسند البزار وغيره عن عمر أنه دخل على أخته قبل أن يُسلِم فإذا صحيفةٌ فيها أولُ سورة الحديد فقرأها، وكان سببَ إسلامه.

وأخرج الحاكمُ وغيره عن ابن مسعود قال: لم يكن شيءٌ بين إسلامه وبينَ أن نزلَت هذه الآية – يُعاتبهم الله بها – إلا أربع سنين: ﴿ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ ﴾ [الحديد: 16] الآية.

13- سورة الصَّف: المختار أنها مدنيَّة، ونسَبه ابن الفَرَس إلى الجمهور، ورجَّحه، ويدلُّ له ما أخرجه الحاكم وغيره عن عبدالله بن سلام قال: قعَدنا نفَرًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتذاكَرْنا فقلنا: لو نَعلَم أيُّ الأعمال أحبُّ إلى الله لعَمِلناه، فأنزل الله سبحانه: ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الصف: 1، 2] حتى ختمها قال عبدالله: فقرَأها علينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حتى ختمَها.

14- سورة الجمعة: الصحيح أنها مدنيَّة؛ لِما رَوى البخاريُّ عن أبي هريرة قال: “كنا جُلوسًا عند النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فأنزل عليه سورة الجمعة: ﴿ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ﴾ [الجمعة: 3]، قلتُ: مَن هم يا رسول الله؟”… الحديث.

ومعلومٌ أن إسلام أبي هريرة بعد الهجرة بمدَّة، وقوله: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا ﴾ [الجمعة: 6] خطابٌ لليهود، وكانوا بالمدينة، وآخر السورة نزَل في انفِضاضهم حال الخُطْبة لما قَدِمَت العيرُ كما في الأحاديث الصحيحة، فثبَت أنها مدنية كلها.

15- سورة التغابن: قيل: مدنية، وقيل: مكية إلا آخرها.

16- سورة الملك: فيها قولٌ غريب: إنها مدنية.

17- سورة الإنسان: قيل: مدنية، وقيل: مكية إلا آية واحدة: ﴿ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا ﴾ [الإنسان: 24].

18- سورة المطففين: قال ابنُ الفرَس: قيل: إنها مكية؛ لذِكْر الأساطير فيها.

وقيل: مدنية؛ لأن أهل المدينة كانوا أشدَّ الناس فَسادًا في الكيل.

وقيل: نزلَت بمكة إلا قصَّة التطفيف.

وقال قوم: نزلت بين مكة والمدينة.

قال السيوطي: أخرج النَّسائيُّ وغيره بسند صحيح عن ابن عباس قال: “لما قدم النبيُّ صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا من أخبثِ الناس كيلاً، فأنزل الله: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾ [المطففين: 1]، فأحسَنوا الكيل”.

19- سورة الأعلى: الجمهور على أنها مكية.

وقيل: إنها مدنية لذِكْر صلاة العيد، وزكاة الفطر فيها.

قال السيوطي: ويردُّه ما أخرجه البخاري عن البراء بن عازب قال: أول مَن قدم علينا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مصعبُ بن عمير، وابن أم مكتوم فجعَلا يُقرِآنِنا القرآنَ، ثم جاء عمارٌ وبلالٌ وسعد، ثم جاء عمرُ بن الخطاب في عشرين، ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم فما رأيتُ أهل المدينة فَرِحوا بشيء فرَحَهم به، فما جاء حتى قرأتُ: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ [الأعلى: 1] في سُورٍ مِثلِها.

20- سورة الفجر: فيها قولان، والجمهور على أنها مكية.

21- سورة البلد: حُكي فيها أيضًا قولان، وقوله: ﴿ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾ [البلد: 1] يردُّ القول بأنها مدنية.

22- سورة الليل: الأشهر أنها مكية، وقيل: مدنية؛ لِما ورَد في سبب نزولها من قصة النخلة كما أخرَجناه في أسباب النزول، وقيل: فيها مكيٌّ ومدني.

23- سورة القدر: فيها قولان، والأكثر أنها مكية.

ويُستَدَلُّ لكونها مدنية بما أخرجه الترمذيُّ والحاكم عن الحسن بن عليٍّ أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى بني أمية على مِنبَرِه فساءه ذلك، فنزلَت: ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾ [الكوثر: 1]، ونزلَت: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ [القدر: 1] الحديث.

قال الْمِزِّي: وهو حديثٌ منكَر.

24- سورة البينة: قال ابن الفرَس: الأشهر أنها مكية.

قال السيوطي: ويدل لمقابله ما أخرجه أحمدُ عن أبي حبة البدري قال: “لما نزلَت: ﴿ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾ [البينة: 1] إلى آخرها، قال جبريل: يا رسول الله، إن ربَّك يأمرك أن تُقرِئَها أُبيًّا”؛ الحديث.

وقد جزَم ابنُ كثير بأنها مدنية، واستدل به.

25- سورة الزلزلة: فيها قولان، ويُستدَل لكونها مدنيةً بما أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي سعيدٍ الخدري قال: “لما نزلَت: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 7] الآية، قلت: يا رسول الله، إني لراءٍ عمَلي” الحديث.

وأبو سعيد لم يكن إلا بالمدينة، ولم يَبلُغ إلاَّ بعد أحُد.

26- سورة العاديات: فيها قولان.

ويستدل لكونها مدنية بما أخرجه الحاكم وغيره عن ابن عباس: قال: “بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلاً فلَبِثت شهرًا لا يأتيه منها خبر، فنزلت: ﴿ وَالْعَادِيَاتِ… ﴾”؛ الحديث.

27- سورة التكاثر: الأشهر أنها مكية، ويدل لكونها مدنية – وهو المختار – ما أخرجه ابنُ أبي حاتم عن ابن بُريدة أنها نزلت في قَبيلتين من قبائل الأنصار تَفاخروا…

وعن قتادةَ أنها نزلت في اليهود.

وأخرج البخاري عن أُبي بن كعب قال: “كنا نَرى هذا من القرآن؛ يَعني: “لو كانَ لابنِ آدمَ وادٍ من ذهَب…” حتى نزلَت: ﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ﴾ [التكاثر: 1].

وأخرج الترمذيُّ عن عليٍّ قال: ما زِلْنا نَشكُّ في عذاب القبر حتى نزلَت، وعذابُ القبر لم يُذكَر إلا بالمدينة كما في الصحيح في قصة اليهوديَّة.

28- سورة الماعون: فيها قولان حكاهما ابن الفرَس.

29- سورة الكوثر: الصواب أنها مدنية، ورجَّحه النووي في شرح مسلم لما أخرجه مسلمٌ عن أنس قال: “بينَا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهُرِنا إذ أغفى إغفاءةً فرفَع رأسه متبسِّمًا فقال: أنزلَت عليَّ آنفًا سورة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾ [الكوثر: 1] حتى ختمَها… الحديث.

30- سورة الإخلاص: فيها قولان؛ لحديثَين في سبب نزولها مُتعارضَين.

قال السيوطي: وجمَع بعضُهم بينهما بتكرُّر نزولها، ثم ظهر لي بعدُ ترجيحُ أنها مدنية.

31- المعوذتان: المختار أنهما مدنيتان؛ لأنهما نزَلَتا في قصة سِحْر لَبِيد بن الأعصَم كما أخرجه البيهقيُّ في الدلائل.

وقال البيهقيُّ في الدلائل أيضًا: في بعض السُّور التي نزلَت بمكة آياتٌ نزلَت بالمدينة فأُلحقَت بها.

وقال ابن الحصار: وكلُّ نوعٍ من المكي والمدني منه آياتٌ مُستَثناةٌ إلا أنَّ مِن الناس مَن اعتمد في الاستثناء على الاجتهاد دون النَّقل.

ما استُثني من المكي والمدني:

قال ابن حجر في شرح البخاري: قد اعتنى بعضُ الأئمة ببيان ما نَزل من الآيات بالمدينة في السور المكية.

قال السيوطي: وأما عكس ذلك، وهو نزول شيءٍ من سورةٍ بمكة تأخَّر نزولُ تلك السورة إلى المدينة فلم أرَه إلا نادرًا.

وهذه هي السور التي قيل فيها بالاستثناء:

1- الفاتحة: تقدم قولٌ أنَّ نِصفها نزل بالمدينة، والظاهر أنه النصف الثاني، ولا دليلَ لهذا القول.

2- البقرة: استُثني منها آيتان: ﴿ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا ﴾ [البقرة: 109]، و: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ﴾ [البقرة: 272].

وذكر الماورديُّ أن البقرة مدنيَّة في قول الجميع إلا آية، وهي: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ﴾ [البقرة: 281] فإنها نزلَت يوم النَّحر في حجة الوداع بمنًى.

ونزولها هناك لا يُخرِجها عن المدني على اصطلاح أنَّ ما نزَل بعد الهجرة مدني، سواء كان بالمدينة أو بغيرها.

3- سورة النساء: مدنية إلا آية واحدة، نزلَت في مكة، في عثمان بن طلحة حين أراد النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منه مفاتيحَ الكعبة، ويسلمها إلى العباس فنزلَت: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾ [النساء: 58]؛ على اصطلاح أنَّ ما نزل بمكة مكي ولو كان بعد الهجرة.

4- الأنعام: قال ابن الحصار: استُثنيَ منها تسعُ آيات، ولا يصحُّ به نقلٌ؛ خصوصًا وقد ورد أنها نزلَت جملة.

قال السيوطي: قد صحَّ النقل عن ابن عباس استثناء: ﴿ قُلْ تَعَالَوْا ﴾ [الأنعام: 151] الآيات الثلاث كما تقدَّم.

والبواقي:

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ [الأنعام: 91]؛ لما أخرجه ابن أبي حاتم أنها نزلَت في مالكِ بن الصَّيف.

وقوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ [الأنعام: 93] الآيتَين نزَلَتا في مُسيلمة.

وقوله: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ ﴾ [الأنعام: 20].

وقوله: ﴿ وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ﴾ [الأنعام: 114].

وأخرج أبو الشيخ عن الكَلْبيِّ قال: نزلَت الأنعام كلها بمكة إلا آيتين نزلَتا بالمدينة في رجلٍ من اليهود، وهو الذي قال: ﴿ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ﴾ [الأنعام: 91].

وقال الفريابي: حدثنا سفيانُ عن ليثٍ عن بِشْر قال: الأنعام مكية إلا: ﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ ﴾ [الأنعام: 151]، والآية التي بعدها.

5- الأعراف: أخرج أبو الشيخ بن حيان عن قتادة قال: الأعراف مكية إلا آية: ﴿ وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ ﴾ [الأعراف: 163].

وقال غيره مِن هنا إلى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ ﴾ [الأعراف: 172] مدَني.

6- الأنفال: استُثني منها: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ [الأنفال: 30] الآية، قال مُقاتل: نزلَت بمكَّة.

قال السُّيوطي: يردُّه ما صحَّ عن ابن عباس أن هذه الآية بعَينها نزلَت بالمدينة، واستَثنى بعضهم قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ﴾ [الأنفال: 64] الآية، وصحَّحه ابن العربي وغيره.

قال السُّيوطي: يؤيِّده ما أخرجه البزَّار عن ابن عبَّاس أنها نزلَت لما أسلَم عُمر.

7- التوبة: استَثنى بعضهم: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ ﴾ [التوبة: 113] الآية لِمَا ورَد أنها نزلَت في قوله عليه الصلاة والسلام لأبي طالبٍ: ((لأستغفرنَّ لك ما لَم أُنهَ عنك)).

8- يونس: استُثني منها: ﴿ فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ ﴾ [يونس: 94] الآيتين.

وقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ [يونس: 40] الآية.

قيل: نزَلَت في اليهود.

وقيل: مِن أولها إلى رأس أربعينَ مكِّي، والباقي مدني.

9- هود: استُثني منها ثلاثُ آيات: ﴿ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ ﴾ [هود: 12]، ﴿ أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ﴾ [هود: 17]، ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ ﴾ [هود: 114].

قال السُّيوطي: دليل الثالثة ما صحَّ مِن عدَّة طُرق أنَّها نزلت بالمدينة في حقِّ أبي اليَسَر.

10- الرعد: أخرج أبو الشَّيخ عن قتادة قال: سورة الرعد مدَنيَّة إلا آية قوله: ﴿ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ ﴾ [الرعد: 31]، وعلى القول بأنها مكية يُستثنى قولُه: ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ ﴾ [الرعد: 8] إلى قوله: ﴿ شَدِيدُ الْمِحَالِ ﴾ [الرعد: 13] كما تقدَّم، والآية آخِرها، فقد أخرج ابن مَردويه عن جُندَب قال: جاء عبدالله بن سلام حتى أخَذ بعُضادَتَيِ باب المسجد قال: أنشدكم باللهِ أيْ قومِ، أتَعلمون أني الذي أُنزِلَت فيه: ﴿ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ﴾ [الرعد: 43]؟ قالوا: اللَّهم نعَم.

11 – إبراهيم: أخرج أبو الشيخ عن قتادة قال: سورة إبراهيم مكية غير آيتين مدنيتين: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا ﴾ [إبراهيم: 28] إلى: ﴿ وَبِئْسَ الْقَرَارُ ﴾ [إبراهيم: 29].

12 – الحجر: استَثنى بعضُهم منها: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا ﴾ [الحجر: 87] الآية.

قال السيوطي: وينبغي استثناء قوله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ ﴾ [الحجر: 24] الآية؛ لِما أخرجه الترمذيُّ وغيره في سبب نزولها، وأنَّها في صفوف الصلاة.

13 – النحل: عن ابن عبَّاس أنه استَثنى آخرها، وأخرج أبو الشيخ عن الشَّعبي قال: نزلَت النَّحل كلُّها بمكة إلا هؤلاء الآيات: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ ﴾ [النحل: 126] إلى آخرها.

وأخرج عن قتادةَ قال: سورة النَّحل من قوله: ﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ﴾ [النحل: 41] إلى آخرها مدني، وما قبلَها إلى آخر السورة مكي، وعن جابر بن زيد أن النحل نزل منها بمكَّة أربعون، وباقيها بالمدينة.

ويردُّ ذلك ما أخرجه أحمد عن عثمان بن أبي العاص في نزول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾ [النحل: 90].

14 – الإسراء:

استثني منها: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ﴾ [الإسراء: 85] الآية؛ لِما أخرَج البخاريُّ عن ابن مسعودٍ أنَّها نزلَت بالمدينة في جواب سؤال اليهود عن الروح.

واستثني منها أيضًا: ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ﴾ [الإسراء: 73] إلى قوله: ﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾ [الإسراء: 81]، وقوله: ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ ﴾ [الإسراء: 88] الآية، وقوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا ﴾ [الإسراء: 60] الآية، و: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ ﴾ [الإسراء: 107].

15 – الكهف:

استثني من أولها إلى: ﴿ جُرُزًا ﴾ [الكهف: 8]، وقوله: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ ﴾ [الكهف: 28] الآية، و: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [الكهف: 107] إلى آخر السورة.

16 – مريم:

استثني منها آية السجدة، وقوله: ﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾ [مريم: 71].

17 – طه:

استثني منها: ﴿ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ ﴾ [طه: 130] الآية.

قال السيوطي: ينبغي أن يُستثنى آية أخرى؛ فقد أخرج البزار وأبو يَعْلى عن أبي رافعٍ قال: أضاف النبيُّ صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم ضيفًا فأرسلني إلى رجلٍ من اليهود: أن أسلِفْني دقيقًا إلى هلالِ رجب، فقال: لا، إلا برَهْن، فأتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: ((أمَا والله إني لأمينٌ في السماء أمينٌ في الأرض))، فلَم أخرج مِن عنده حتى نزَلَت هذه الآية: ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ ﴾ [طه: 131].

18 – الأنبياء:

استثني منها: ﴿ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ ﴾ [الأنبياء: 44] الآية.

19 – المؤمنون:

استثني منها: ﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ ﴾ [المؤمنون: 64] إلى قوله: ﴿ مُبْلِسُونَ ﴾ [المؤمنون: 77].

20 – الفرقان: استثني منها: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ ﴾ [الفرقان: 68] إلى: ﴿ رَحِيمًا ﴾ [الفرقان: 70].

21 – الشعراء:

استَثنى ابن عباس منها: ﴿ وَالشُّعَرَاءُ ﴾ [الشعراء: 224] إلى آخرها.

22 – القصص:

استُثني منها: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ﴾ [القصص: 52] إلى قوله: ﴿ الْجَاهِلِينَ ﴾ [القصص: 55]؛ فقد أخرج الطبراني عن ابن عباس أنَّها نزلت هي وآخر الحديد في أصحاب النَّجاشي الذين قَدِموا وشَهِدوا وقعة أحُد، وقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ ﴾ [القصص: 85] الآية.

23 – العنكبوت:

استثني من أولها إلى: ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ ﴾ [العنكبوت: 11]؛ لِمَا أخرجَه ابنُ جَرير في سبب نُزولها.

قال السيوطي: ويضم إليه: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ ﴾ [العنكبوت: 60] الآية.

24 – لقمان:

استثنى منها ابن عباس: ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ [لقمان: 27] الآيات الثلاث.

25 – السجدة:

استثنى منها ابن عباس: ﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا ﴾ [السجدة: 18] الآيات الثلاث.

وزاد غيره: ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ ﴾ [السجدة: 16]، ويدلُّ له ما أخرجه البزَّار عن بلالٍ قال: كنا نجلس في المسجد، وناسٌ من الصحابة يُصلُّون بعد المغرب إلى العشاء فنزلت.

26 – سبأ:

استثني منها: ﴿ وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ﴾ [سبأ: 6] الآية.

وروى الترمذيُّ عن فَرْوةَ الْمُراديِّ قال: أتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقلتُ: يا رسول الله، ألا أُقاتل مَن أدبَر مِن قومي… الحديث، وفيه: وأنزل في سبأ ما أنزل فقال رجل: يا رسول الله، وما سبأ؟ الحديث.

قال ابن الحصار: هذا يدلُّ على أن هذه القصة مدنية؛ لأن مُهاجَرةَ فروةَ بعد إسلامِ ثَقيفٍ سنة تِسع، قال: ويحتمل أن يكون قوله: “وأنزل” حكايةً عما تقدَّم نزوله قبل هجرته.

27 – يس:

استثني منها: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى ﴾ [يس: 12] الآية؛ لِمَا أخرجه الترمذي والحاكم عن أبي سعيد قال: كانت بنو سَلمة في ناحية المدينة فأرادوا النقلة إلى قُرب المسجد، فنزلَت هذه الآية.

قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((إن آثارَكم تُكتَب)) فلم ينتَقِلوا.

واستثنى بعضهم: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا ﴾ [يس: 47] الآية قيل: نزلت في المنافقين.

28 – الزمر:

استثني منها: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ ﴾ [الزمر: 53] الآيات الثلاث؛ قاله ابن عباس.

وأخرج الطبراني من وجهٍ آخر عنه أنها نزلت في وحشيٍّ قاتلِ حمزة، وزاد بعضهم: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ ﴾ [الزمر: 10] الآية.

29 – غافر:

استثني منها: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ ﴾ [غافر: 56] إلى قوله: ﴿ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [غافر: 57]؛ فقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية وغيرِه أنها نزلَت في اليهود لَمَّا ذكَروا الدجَّال.

30 – الشورى: استثني منها: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى ﴾ [الشورى: 24] إلى قوله: ﴿ بَصِيرٌ ﴾ [الشورى: 27].

قال السيوطي: بدلالة ما أخرجه الطبراني، والحاكم في سبب نزولها؛ فإنها نزلت في الأنصار.

وقوله: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ ﴾ [الشورى: 27] الآية نزلت في أصحاب الصفة، واستثنى بعضهم: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ ﴾ [الشورى: 39] إلى قوله: ﴿ مِنْ سَبِيلٍ ﴾ [الشورى: 41].

31 – الزخرف: استثني منها: ﴿ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا ﴾ [الزخرف: 45] الآية قيل: نزلت بالمدينة، وقيل: في السَّماء.

32 – الجاثية: استثني منها: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [الجاثية: 14] الآية عن قتادة.

33 – الأحقاف: استثني منها: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ [الأحقاف: 10] الآية؛ فقد أخرج الطبراني بسندٍ صحيح عن عوف بن مالك الأشجعيِّ أنها نزلَت بالمدينة في قصة إسلام عبدالله بن سلام، وله طرُق أخرى، لكن أخرج ابن أبي حاتم عن مسروقٍ قال: أُنزِلَت هذه الآية بمكة إنما كان إسلامُ ابن سلامٍ بالمدينة، وإنما كانت خصومة خاصم بها محمدًا صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عن الشعبي قال: ليس بعبدالله بن سلام، وهذه الآية مكيَّة، واستَثنى بعضهم: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ ﴾ [الأحقاف: 15] الآيات الأربع، وقوله: ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ ﴾ [الأحقاف: 35] الآية.

34- ق: استثني منها: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ ﴾ إلى: ﴿ لُغُوبٍ ﴾ [ق: 38]؛ فقد أخرج الحاكم وغيره أنها نزلَت في اليهود.

35- النجم: استُثني منها: ﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ ﴾ إلى: ﴿ اتَّقَى ﴾ [النجم: 32]، وقيل: ﴿ أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى ﴾ [النجم: 33] الآيات التسع.

36- القمر: استثني منها: ﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ﴾ [القمر: 45] الآية.

وهو مردود، وقيل: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ ﴾ [القمر: 54] الآيتين.

37- الرحمن: استثني منها: ﴿ يَسْأَلُهُ ﴾ [الرحمن: 29] حكاه في جمال القراء.

38- الواقعة: استثني منها: ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ ﴾ [الواقعة: 39، 40]، وقوله: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴾ [الواقعة: 75] إلى: ﴿ تُكَذِّبُونَ ﴾ [الواقعة: 82]؛ لِمَا أخرجه مسلمٌ في سبب نُزولها.

39- الحديد: يُستثنى منها على القول بأنها مكية آخرها.

40- المجادلة: استثني منها: ﴿ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ ﴾ [المجادلة: 7] الآية؛ حَكاه ابن الفرَس وغيره.

41- التغابن: يُستثنى منها على أنها مكية آخِرُها؛ لما أخرجه الترمذيُّ والحاكم في سبب نزولها.

42- التحريم: عن قتادة أن المدني منها إلى رأس العشر، والباقي مكي.

43- الملك: أخرج جُويبرٌ في تفسيره عن الضحَّاك عن ابن عباس قال أنزلت الملك في أهل مكة إلا ثلاث آيات.

44- ن: استثني منها: ﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ ﴾ [القلم: 17] إلى: ﴿ يَعْلَمُونَ ﴾ [القلم: 33]، ومن: ﴿ فَاصْبِرْ ﴾ [القلم: 48] إلى: ﴿ الصَّالِحِينَ ﴾ [القلم: 50]؛ فإنه مدني حكاه السخاوي.

45- المزمل: استثني منها: ﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ ﴾ [المزمل: 10] الآيتين؛ حكاه الأصبهاني، وقوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ ﴾ [المزمل: 20] إلى آخر السورة، ويرده ما أخرجه الحاكم عن عائشةَ أنَّه نزَل بعد نزول صدر السورة بسَنَة، وذلك حين فرض قيام الليل في أول الإسلام قبل فرض الصَّلوات الخمس.

46- الإنسان: استثني منها: ﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ [الإنسان: 24].

47- المرسلات: استثني منها: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ ﴾ [المرسلات: 48]؛ حكاه ابن الفرس وغيره.

48- المطففين: قيل: مكية إلا ستَّ آياتٍ من أولها.

49- البلد: قيل: مدنية إلا أربعَ آيات من أولها.

50- الليل: قيل: مكية إلا أولَها.

51- الماعون: نزل ثلاثُ آيات من أولها بمكة، والباقي بالمدينة.

ضوابط في المكي والمدني:

أخرج الحاكمُ في مستدركه، والبيهقيُّ في الدلائل، والبزَّار في مسنده من طريق الأعمش عن إبراهيم عن علقمةَ عن عبدالله قال: ما كان: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أنزل بالمدينة، وما كان ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ﴾ فبمكة.

وأخرج عن ميمون بن مهران قال: ما كان في القرآن: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ﴾ أو: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ ﴾ فإنه مكي، وما كان: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فإنه مدني.

قال ابن عطية: هو في: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ صحيح، وأما: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ﴾ فقد يَأتي في المدني.

وقال ابن الحصار: قد اعتنى المتشاغلون بالنَّسخ بهذا الحديث، واعتمَدوه على ضَعفِه، وقد اتَّفق الناس على أن “النِّساء” مدنية، وأولها: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ﴾، وعلى أن “الحج” مكية، وفيها: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا ﴾ [الحج: 77].

وقال غيره: هذا القول إن أخذ على إطلاقه فيه نظر؛ فإنَّ سورة البقرة مدنية، وفيها: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ﴾ [البقرة: 21] ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ ﴾ [البقرة: 168].

وسورة النساء مدنية، وأولها: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ﴾ [النساء: 1].

وقال مكي: هذا إنما هو في الأكثر، وليس بعام، وفي كثير من السور المكية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾.

وقال غيره: الأقرب حَملُه على أنه خطابٌ المقصودُ به – أو جلُّ المقصود به – أهلُ مكة أو المدينة.

والصحيح أنه إن كان الرُّجوع في هذا إلى النَّقل فمُسلَّم، وإن كان السَّبب فيه حصولَ المؤمنين بالمدينة على الكثرة دون مكَّة فضعيفٌ؛ إذ يجوز خطابُ المؤمنين بصِفَتِهم، وباسمِهم، وجنسِهم، ويؤمَر غيرُ المؤمنين بالعبادة كما يُؤمَر المؤمنون بالاستِمْرار عليها، والازدِياد منها.

وأخرج البيهقيُّ في الدلائل عن هشام بن عُروة عن أبيه قال: كلُّ شيء نزَل من القرآن فيه ذِكْرُ الأممِ والقرون فإنما نزل بمكة، وما كان من الفرائض والسُّنن فإنما نزل بالمدينة.

وقال هشام عن أبيه: كل سورةٍ ذُكِرت فيها الحدود والفرائض فهي مدنيَّة، وكل ما كان فيه ذِكْر القرون الماضية فهي مكية.

وذكر أبو عمرو عثمانُ بن سعيد الدارمي بإسناده إلى يحيى بن سلام قال: ما نزل بمكَّة وما نزل في طريق المدينة قبل أن يَبلغ النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فهو من المكي، وما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم في أسفاره بعدَما قدم المدينة فهو من المدني.

وقال الجعبري: لمعرفة المكي والمدني طريقان: سماعي، وقياسي:

فالسماعي: ما وصَل إلينا نزوله بأحدهما.

والقياسي: كل سورة فيها: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ﴾ فقط، أو ﴿ كَلَّا ﴾ أو أوَّلها حرفُ تَهجٍّ سوى الزَّهراوينِ والرعد، أو فيها قصة آدم وإبليس، سوى البقرة – فهي مكية.

وكل سورة فيها قصص الأنبياءِ والأمم الخالية مكية، وكل سورة فيها فريضةٌ أو حَدٌّ فهي مدنية.

وقال مكي: كل سورة فيها ذِكر المنافقين فمدنية، زاد غيرُه: سوى العنكبوت.

وكل سورة فيها سجدة فهي مكية.

وقال الناظم:

وما نَزلَت “كلاَّ” بيَثرِبَ فاعلَمَنْ ♦♦♦ ولم تأتِ في القرآن في نِصفِه الأعلى

وحِكمة ذلك أنَّ نِصفه الأخير نزَل أكثرُه بمكَّة، وأكثرها جَبابرةٌ، فتكرَّرَت فيه على وجه التهديد، والتعنيف لهم، والإنكار عليهم، بخلاف النِّصف الأول، وما نزل منه في اليهود لم يحتَجْ إلى إيرادها فيه؛ لذِلَّتهم وضعفِهم.

وأخرج الطبراني عن ابن مسعود: نزل المفصَّل بمكة، فمكَثنا حِجَجًا نقرؤه لا ينزل غيره.

تنبيهات وأمثلة:

مثال ما نزل بمكة، وحكمه مدني:

  • قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ﴾ [الحجرات: 13] الآية، نزل بمكة يوم الفتح، وهي مدنية؛ لأنها نزلَت بعد الهجرة.
  • وقوله: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ [المائدة: 3] كذلك.

قلت: وكذا قوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾ [النساء: 58] في آيات أُخَر.

ومثال ما نزل بالمدينة، وحكمه مكي:

  • سورة الممتحنة فإنها نزلَت بالمدينة مخاطبةً لأهل مكة.
  • وقوله في النحل: ﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا ﴾ [النحل: 41] إلى آخرها نزل بالمدينة مخاطَبًا به أهل مكة، وصدر براءة نزل بالمدينة خطابًا لمشركي أهل مكة.

ومثال ما يشبه تنزيل المدني في السُّور المكية:

  • قوله في النجم: ﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ﴾ [النجم: 32]؛ فإنَّ الفواحش كلُّ ذنب فيه حد، والكبائر كلُّ ذنب عاقِبتُه النار، واللَّمَم ما بين الحدَّين من الذُّنوب، ولم يكن بمكة حدٌّ ولا نحوه.

ومثال ما يشبه تنزيل مكة في السور المدنية:

  • قوله: ﴿ وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا ﴾ [العاديات: 1]، وقوله في الأنفال: ﴿ وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ ﴾ [الأنفال: 32] الآية.

ومثال ما حُمل من مكة إلى المدينة:

  • سورة يوسف، والإخلاص.

ومثال ما حُمل من المدينة إلى مكة:

  • ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ﴾ [البقرة: 217]، وآية الربا، وصدر براءة، وقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ [النساء: 97] الآيات.

ومثال ما حمل إلى الحبشة:

  • ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ ﴾ [آل عمران: 64] الآيات.

قال السيوطي: صح حملها إلى الروم.

ما نزل بالجحفة:

  • قوله عز وجل في سورة القصص: ﴿ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ﴾ [القصص: 85] نزَلَت بالجحفة، والنبي صلى الله عليه وسلم مهاجر.

ما نزل ببيت المقدَّس:

  • قوله تعالى في الزخرف: ﴿ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ﴾ [الزخرف: 45] نزلَت عليه ليلة أُسري به.

ما نزل بالطائف:

  • قوله في: ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ﴾ [الانشقاق: 1] ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ * وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ * فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الانشقاق: 22 – 24] يعني كفَّارَ مكة.

ما نزل بالحديبية:

  • قوله تعالى في الرعد: ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ﴾ [الرعد: 30] نزلَت بالحديبية حين صالح النبيُّ صلى الله عليه وسلم أهلَ مكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعليٍّ: ((اكتب: “بسم الله الرحمن الرحيم”)) فقال سُهيلُ بن عمرو: ما نَعرف الرحمن الرحيم، ولو نَعلم أنَّك رسول الله لتابَعْناك، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ﴾ إلى قوله ﴿ مَتَابِ ﴾ [الرعد: 30].

ما نزل ليلاً:

  • قوله تعالى: في أول سورة الحج ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ [الحج: 1]، نزَلَت ليلاً في غزوة بني المصطلِق، وهم حيٌّ من خزاعة، والناس يَسيرون.
  • وقوله تعالى في المائدة: ﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾ [المائدة: 67]، نزلَت في بعض غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُحرَس كلَّ ليلة.

قال عبدالله بن عامر بن ربيعة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن يَحرُسنا الليلة؟)) فأتاه حذيفةُ وسعدٌ في آخَرين معهم الحَجَفُ والسُّيوف، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيمةٍ من أَدَمٍ فباتوا على باب الخيمة، فلما أن كان بعد هَزيعٍ من الليل أنزل الله عليه الآية، فأخرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رأسَه من الخيمة، فقال: ((يا أيها الناس انصَرِفوا؛ فقد عصَمَني الله)).

  • ومنها قوله: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾ [القصص: 56] الآية؛ قالت عائشةُ رضي الله عنها: نزلَت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا معه في اللِّحاف، ونزل عليه أكثرُ القرآن نهارًا.

ما نزل مشيَّعًا:

  • سورة الأنعام نزلت مرة واحدة، شيعها سبعون ألف ملك طبقوا ما بين السموات، والأرض لهم زجل بالتسبيح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحان الله، وخر ساجدا.
  • وفاتحة الكتاب نزلت، ومعها ثمانون ألف ملك.
  • وآية الكرسي نزلَت، ومعها ثلاثون ألف ملك.
  • وسورة يونس نزلت، ومعها ثلاثون ألف ملك.
  • ﴿ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا ﴾ [الزخرف: 45] نزلت، ومعها عِشرون ألفَ ملك، وسائر القرآن نزَل به جبريلُ بلا تَشييع.

ما حُمل من مكة إلى المدينة:

  • أول سورة حُملت من مكة إلى المدينة سورة يوسف؛ انطَلَق بها عوفُ بن عَفْراءَ في الثمانية الذين قَدِموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، فعرَض عليهم الإسلام فأسلموا، وهم أولُ مَن أسلم مِن الأنصار، قرَأها على أهل المدينة في بني زُريق، فأسلم يومئذ بيوتٌ من الأنصار؛ روى ذلك يَزيدُ بن رومانَ عن عطاءٍ عن ابن يَسار عن ابن عبَّاس، ثم حمل بعدها: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 1] إلى آخرها.
  • ثم حمل بعدها الآية التي في الأعراف: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾ إلى قوله: ﴿ تَهْتَدُونَ ﴾ [الأعراف: 158]، فأسلم عليها طوائفُ من أهل المدينة، وله قصَّة.

ما حمل من المدينة إلى مكة:

  • من ذلك الأنفال التي في البقرة: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ﴾ [البقرة: 217] الآية، وذلك حين أورد عبدالله بن جحش كتاب مُسلِمي مكَّة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنَّ المشركين عيَّرونا بقتل ابن الحَضْرمي، وأخذ الأموال، والأسارى في الشهر الحرام، فكتَب بذلك عبدالله بن جحش إلى مُسلمي مكة إن عيَّروكم فعَيِّروهم بما صنَعوا بكم.
  • ثم حُمِلت آية الربا من المدينة إلى مكة في حضور ثَقيف، وبني المغيرة إلى عَتَّاب بن أَسِيدٍ عاملِ رسول الله صلى الله عليه وسلم على مكة، فقرأ عتَّابٌ عليهم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا ﴾ [البقرة: 278]، فأقَرُّوا بتحريمه، وتابوا، وأخذوا رؤوسَ الأموال.
  • ثم حُملت مع الآيات من أول سورة براءة من المدينة إلى مكة، قرَأَهن عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه يوم النحر على الناس، وفي ترتيبها قصَّة.
  • ثم حُملت من المدينة إلى مكة الآية التي في النساء: ﴿ إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ﴾ [النساء: 98] إلى قوله: ﴿ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾ [النساء: 99]، فلا تُعاقِبهم على تَخلُّفهم عن الهجرة، فلما بَعَث رسول الله صلى الله عليه وسلم بها إلى مُسلمي مكة قال جُندَعُ بن ضَمْرةَ الليثيٌّ ثم الجُندَعي لبَنيه، وكان شيخًا كبيرا: ألستُ مِن المستضعفين، وأني لا أَهتدي إلى الطريق؟! فحمَله بَنوه على سريره متوجِّهًا إلى المدينة، فمات بالتَّنعيم، فبلغ أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم موتُه، فقالوا: لو لَحِق بنا لكان أكملَ لأجرِه، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ إلى قوله: ﴿ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [النساء: 100].

والله الموفِّق للصواب.

رابط مختصر