روسيا وأمريكا في سوريا والعراق .. صفقة غير معلنة

روسيا وأمريكا في سوريا والعراق .. صفقة غير معلنة
مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 2 فبراير 2016 - 8:36 صباحًا
خمسة أعوام وأيام مرت علي انفجار ثورة تونس في ديسمبر‮ ‬2014،‮ ‬وبعدها بأيام، أو أسابيع،‮ ‬امتدت ثورات الربيع العربي إلي مصر،‮ ‬وليبيا،‮ ‬وسوريا واليمن‮.‬ ورغم العناصر المشتركة بين تلك الثورات وبعضها بعضا، فإنها لم تكن متماثلة أو متطابقة تماما‮. ‬وتعود الاختلافات بين ثورات الربيع العربي إلي فروق مهمة فيما بين الدول التي شهدت تلك الثورات من حيث عناصر الجغرافيا،‮ ‬والديموجرافيا،‮ ‬والاجتماع،‮ ‬والاقتصاد،‮ ‬والسياسة‮.‬ وأحد عناصر الاختلاف يعود إلي مواقف وسياسات القوى الكبرى والإقليمية من بلاد الربيع العربي ومن ثوراتها‮. ‬صحيح أن جميع حالات الربيع العربي قد شهدت، أو عرفت، تدخلات،‮ ‬أو سياسات،‮ ‬أو مواقف مؤثرة من قوى دولية وإقليمية،‮ ‬ولكن حجم،‮ ‬واستمرار وأدوات تلك السياسات والتدخلات اختلفت من حالة إلي أخرى من حالات الربيع العربي‮. ‬ففي الحالة الليبية،‮ ‬حدث تدخل عسكري دولي من جانب حلف شمال الأطلنطي‮ (‬الناتو‮) ‬فيما عُدّ‮ ‬تطبيقا لقرار مجلس الأمن، الذي كان قد سبقه قرار لجامعة الدول العربية،‮ ‬بما سهل مهمة المتدخلين الدوليين من خارج الإقليم لحسم مسألة القضاء علي نظام القذافي‮. ‬ورغم خطورة نتائج ذلك التدخل الدولي العسكري،‮ ‬فإنه أدي إلي نشأة وضع دولة فاشلة، أو مجتمع بلا دولة، وهو تحد تواجهه الآن دولة اليمن، لكن مع اختلاف مهم يتمثل في أن القوة الخارجية التي تلعب دورا مهما في اليمن هذه الأيام هي قوة إقليمية،‮ ‬وليست قوة دولية‮.‬
أما حالتا مصر وتونس،‮ ‬فهما مختلفتان عن حالتي ليبيا واليمن، وكذلك عن حالتي سوريا والعراق،‮ ‬اللتين سوف تركز عليهما هذه المقالة العلمية‮.‬
حقا إن مصر وتونس، وكل دول الربيع العربي الأخرى، تعاني مما تواجهه من تهديدات إرهابية خطيرة تمثل تحديا كبيرا لأهداف أمنها القومي‮. ‬ولكن، مرة أخرى، فإن حالتي مصر وتونس تختلفان عن حالتي سوريا والعراق، وبصفة خاصة من حيث مصادر التهديد الأخطر لأمنها القومي‮. ‬ففي سوريا والعراق وجود عسكري‮  ‬سياسي ملحوظ ومؤثر لقوة دولية عظمي،‮ ‬مثل الولايات المتحدة الأمريكية، أو كبري مثل روسيا الاتحادية، بغض النظر عن اختلافات مهمة من حيث الشكل والمضمون، بل وربما الأهداف بين حالتي سوريا والعراق اللتين توجد بهما قوى عسكرية مهمة وكبيرة ومستخدمة، بالتأكيد بسبب أن أكبر وجود لتنظيم الدولة الإسلامية، أو‮ “‬داعش‮” ‬موجود في هاتين الدولتين، والأهم أنه مؤثر بفعالية علي الحالة في العراق منذ عام‮ ‬2003،‮ ‬وفي سوريا منذ عام‮ ‬2011،‮ ‬وإن كان الوجود والتأثير الكبير والملحوظ تم منذ سبتمبر‮ ‬2015،‮ ‬أي منذ شهور قليلة، وأنه مهم ومؤثر بسبب نوعية وتقدم منظومات التسلح الجوي والدفاعي المستخدم بكثافة يومية من جانب روسيا الاتحادية، التي تعد سوريا أهم حلفائها الإقليميين في المنطقة العربية، ولذلك يصبح لها مصلحة استراتيجية في استمرارية علاقتها الاستراتيجية‮ – ‬السياسية منها والعسكرية‮. ‬والأهم في استخدام تلك المنظومات علي الأرض ضد‮ “‬داعش‮”‬، التنظيم الإرهابي الذي وجد قبل ذلك،‮ ‬الدور الروسي الجديد،‮ ‬وبشكل أصبح يمثل مصدرا للإرهاب،‮ ‬ليس فقط لدولتي سوريا والعراق، وإنما لكثير من الدول والقوى الإقليمية العربية،‮ ‬والشرق أوسطية،‮ ‬والقوى الدولية،‮ ‬علي اتساع نطاق جغرافيته العالمية‮.‬
وقد أدي ذلك التحول إلي تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية تحالفا، أو ائتلافا دوليا لمكافحة الإرهاب، منذ أغسطس‮ ‬2014‮ – ‬أي قبل عام من التدخل الروسي العسكري لضرب‮ “‬داعش‮” ‬في سوريا‮- ‬مع التنسيق مع العراق،‮ ‬من خلال مكتب للتعاون الاستراتيجي،‮ ‬تم تأسيسه ليكون مصدرا للتعاون المعلوماتي الاستخباراتي بين روسيا،‮ ‬والعراق،‮ ‬وسوريا،‮ ‬وإيران‮. ‬وعند هذه النقطة، ومع الفعالية والاستمرارية اللتين يتصف بهما العمل العسكري الروسي في إقليم الدولة السورية، وبتنسيق كامل معها، بل وبطلب بالأساس من الرئيس السوري بشار الأسد، وهو ما لا يوجد له مثيل، أو حتى تشابه في أي من بلاد الربيع العربي الأخرى، يصبح من المنطقي أن نطرح علي أنفسنا،‮ ‬كجماعة علمية استراتيجية،‮ ‬السؤال المهم، عند هذه النقطة، عن خصوصية الحالة السورية، وما تتميز به عن‮ ‬غيرها من حالات الربيع العربي الأخرى، وبصفة خاصة فيما يتعلق بالوجود والاستخدام، ومن ثم الفعالية والنفوذ لقوى دولية كبري لديها، وعلي أرض الواقع، وهو ما يجعلها الآن، وفي السياق العربي،‮ ‬حالة خاصة أو مختلفة عن الحالات العربية،‮ ‬الأخرى، ربما باستثناء العراق‮.‬
ويجب أن يكون واضحا أن الحالتين السورية والعراقية تتفقان فيما يتعلق بالدور المهم والمطلوب، بل والمرحب به، من جانب الدولة الإيرانية كفاعل إقليمي إسلامي شيعي يتوافق مع حكام العراق، خاصة قادة الائتلافات الوزارية فيها، ومع حاكم سوريا بشار الأسد‮. ‬وعند هذه النقطة من تحليلنا،‮ ‬يكون مهما، بل ومنطقيا ومطلوبا،‮ ‬أن نفكر معا ونتدبر‮ – ‬كجماعة علمية‮ – ‬في دلالات ذلك وانعكاساته علي الداخل في العراق وسوريا، وعلي الإقليم العربي،‮ ‬والإقليم الشرق أوسطي ككل، بل، وهذا هو الأهم، في هذه الورقة البحثية، علي الدور الذي تلعبه أهم القوى الدولية بالنسبة لهاتين الدولتين العربيتين، خاصة في ضوء ما تقوم به روسيا من دور في سوريا، وما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية من دور في العراق‮. ‬صحيح أن الدورين الروسي والأمريكي لم ينطلقا من إطار زمني ولا مكاني واحد، وصحيح أن الدور الأمريكي انطلق من العراق منذ عام‮ ‬2003،‮ ‬وأن الدور الروسي انطلق أساسا من الداخل السوري، ولكن الصحيح أيضا أن الدورين الحاليين اللذين تؤديهما الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية يعلنان عن الأهداف نفسها المتعلقة بضرب الإرهاب، ولكن الآليات،‮ ‬والأدوات،‮ ‬والسياسات التي تتبعها كل منهما قد لا تتماثل ولا تتطابق، ولا أحيانا حتى تتشابه‮.‬
أولا‮- ‬فرص الصفقة‮:‬
وهنا، عند هذه النقطة،‮ ‬يصبح من الملائم، بل والمهم، أن نطرح السؤال البحثي عما إذا كان ثمة إمكانية للوصول إلي صفقة روسية‮ – ‬أمريكية بشأن أزمات الشرق الأوسط، خاصة الأزمة السورية،‮ ‬والأزمة العراقية؟‮. ‬وبعبارة أخرى، هل ثمة إمكانية للوصول إلي صفقة‮ ‬غير معلنة بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية عن وجود وتأثير، بل ونفوذ،‮ ‬كل منهما في واحدة من الدولتين العربيتين،‮ ‬وهما سوريا والعراق؟ وهل يكون النفوذ الروسي في سوريا في مقابل النفوذ الأمريكي في العراق، مع وجود، وربما تأثير، للاعب إقليمي مهم في هذه الحالة، وهو إيران؟‮.‬
ومنذ البداية في‮ ‬2011،‮ ‬كان واضحا أن روسيا لن تتنازل عن سياسات ثلاث، الأولي‮: ‬الدفاع عن استمرار بشار الأسد رئيسا لسوريا،‮ ‬رغم الإقرار‮ -‬من حيث المبدأ‮- ‬بضرورة إصلاح النظام السياسي السوري‮.‬ وقد كان ذلك واضحا في الموقف الروسي منذ مؤتمر جنيف‮-‬1‮ ‬وحتى الآن‮. ‬أما الثانية، فتتمثل في ضرورة المشاركة الروسية، وبفاعلية، في ضرب الإرهاب، لأن استمراره،‮ ‬أو تصاعده،‮ ‬ونموه،‮ ‬وزيادة خطورته يمكن أن‮ ‬يؤدي إلي امتداد خطر الإرهاب إلي آسيا الوسطي،‮ ‬وإلي الجوار الروسي، أو‮ -‬وهذا هو الأخطر‮- ‬إلي الداخل الروسي،‮ ‬من خلال تصعيد الإرهاب مجددا في منطقة الشيشان‮. ‬أما السياسة الثالثة والأخيرة والمهمة،‮ ‬فتتمثل في استهداف تطوير، وليس إضعاف، القوة العسكرية الروسية الموجودة في اللاذقية وطرطوس،‮ ‬أو في المناطق المتواصلة مع حلب،‮ ‬وحماه،‮ ‬وحمص،‮ ‬وغيرها من المواقع المهمة للوجود الروسي داخل سوريا‮. ‬ويلفت النظر أن أحد خطوط السياسة الروسية‮ ‬يتمثل في العمل بشكل منظم علي زيادة تطوير الوجود العسكري الروسي داخل سوريا،‮ ‬مقارنة بما كان عليه الوضع في العقود والسنوات السابقة علي الثورة‮.‬
وقد يثار سؤال هنا عن بقاء روسيا خارج ما يسمي التحالف الدولي لمكافحة،‮ ‬وضرب،‮ ‬وتدمير‮ “‬داعش‮”. ‬والإجابة علي ذلك السؤال واضحة،‮ ‬وتتمثل في أن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية‮ ‬غير فعال‮. ‬فلا توجد له معاهدة،‮ ‬أو اتفاقية لضمان فعاليته، بل إنه لا توجد قائمة بأسماء الدول الأعضاء في ذلك‮ “‬التحالف‮” ‬الذي تصفه الدولة القائد‮ -‬الولايات المتحدة الأمريكية‮- ‬بالائتلاف الدولي‮. ‬وكل هذه مؤشرات علي عدم فعالية مثل ذلك الكيان‮. ‬وأكبر دليل علي ذلك هو أن ذلك‮ “‬التحالف‮”‬،‮ ‬أو‮ “‬الائتلاف‮”‬، موجود علي الورق، ولكن من دون أن يوجد علي أرض الواقع‮. ‬وإذا أخذنا بمؤشرات مهمة،‮ ‬مثل عدد الضربات التي وجهتها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها علي‮ “‬داعش‮”‬، وما حجم الخسائر والأضرار التي ترتبت عليها، فربما لا نجد إجابة‮. ‬أما إذا وجهت الأسئلة نفسها إلي روسيا التي بدأت ضرباتها في سبتمبر‮ ‬2015،‮ ‬فربما وجدنا إجابات،‮ ‬وحصلنا علي أرقام أكبر بكثير‮.‬
ثانيا‮- ‬فاعلية الدورين الدولي والإقليمي‮:‬
وربما يثور السؤال هنا عن تأخر روسيا في مواجهة الإرهاب وضربه في سوريا، وهو سؤال منطقي ومهم‮. ‬ولعل الإجابة لدينا تتمثل في أن سنوات الربيع العربي الثلاث الأولي كانت تتزامن مع اشتعال المسرح السياسي‮  ‬الاستراتيجي في دول الجوار المباشر لروسيا، مثل أوكرانيا،‮ ‬ومن قبلها جورجيا، وذلك بسبب سياسات عدائية أو خشنة من جانب الغرب الأمريكي والأوروبي، وهو ما كان يعني في إحدي نتائجه عدم توسط روسيا هنا وهناك، أي في سوريا،‮ ‬والشرق الأوسط،‮ ‬وفي أوكرانيا، وهو ما كان يمكن أن يمثل تحديا وعبئا كبيرين علي السياسة الروسية التي فضلت الانتظار حتى يقل نسبيا التوتر في أوكرانيا وغيرها من دول الجوار الروسي، وذلك حتى يمكن تحقيق نتائج إيجابية لمصلحتها في المكانين،‮ ‬أو الميدانين، واحدا بعد الآخر‮.‬
وربما كانت الأخطاء التي ارتكبتها السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، وبصفة خاصة في العراق، وفي التعامل مع جماعة‮ “‬الإخوان المسلمين‮”‬،‮ ‬من بين العوامل التي شاركت في تهيئة بيئة مناسبة للسياسة الروسية في الشرق الأوسط‮. ‬وربما يكون ذلك قد أدي إلي فراغ‮ ‬قوة أمريكي في تلك المنطقة بما ساعد روسيا علي التقدم لملئه،‮ ‬ولو جزئيا،‮ ‬من خلال سياستها في التحالف مع سوريا والتعاون مع إيران،‮ ‬وحزب الله، وبما يساند نظام بشار الأسد هناك‮. ‬وهكذا،‮ ‬تقود موسكو محورا رباعيا منها،‮ ‬ومن سوريا،‮ ‬وإيران،‮ ‬والعراق‮. ‬وقد تكون الأدوار الدولية، ومن بينها الدور الروسي، في إدارة الموقف،‮ ‬والوضع،‮ ‬والأزمة في سوريا أقوى وأكثر فعالية من أدوار القوى الإقليمية‮. ‬وذلك أمر طبيعي، إذ إن الدولي عادة ما يكون أقوى وأكثر خبرة من الإقليمي‮. ‬ولكن، من ناحية أخرى، فإن وجود الإقليمي في المنطقة نفسها قد يعني جغرافيا، وديموجرافيا، وثقافيا، أن دوره وأثره يمكن أن يكونا أكثر فعالية من الدولي‮. ‬ولكن هذا الرأي يمكن أن يتغير في ضوء حرص روسيا علي توظيف الإقليمي أو التعاون معه، كما تفعل روسيا مع إيران، وحتى مع العراق، وكما تفعل الولايات المتحدة الأمريكية مع تركيا والعراق، وربما إيران لوجودها وتأثيرها في الداخل العراقي،‮ ‬والداخل السوري، وهو ما يمكن أن يساعد علي التوصل إلي الصفقة‮ ‬غير المعلنة المشار إليها في عنوان المقال‮. ‬وربما يتعزز هذا الرأي في ضوء إلمامنا بطبيعة وتأثير الدخول والخروج الصعبين إلي داخل دول أو قوى صعبة،‮ ‬مثل فيتنام وأفغانستان، والحجم الضخم لتكلفة ذلك الدخول، خاصة الخروج، وهو ما يمكن أن يؤدي بالكبار،‮ ‬مثل روسيا والولايات المتحدة الأمريكية،‮ ‬إلي إعطاء مساحة أكبر للتعاون،‮ ‬أو التنسيق،‮ ‬أو التحالف مع قوى إقليمية،‮ ‬وليس قوى عالمية،‮ ‬أو دولية‮. ‬يعني ذلك أنه في حالة موضوعنا،‮ ‬ربما سيكون هناك اتجاه لمزيد من التنظيم للفوائد والمصالح الناتجة عن التحالف مع قوى إقليمية، خاصة إذا كانت القضية الرئيسية في التحالف موضع البحث قضية‮ ‬غير عالمية، كتلك الخاصة بالأزمة السورية، وربما، وإن كان بدرجات أقل، قضايا الشرق الأوسط، أو العالم العربي الأخرى‮.‬
وليس معني ما تقدم أن القوى الكبرى لا تأتي،‮ ‬ولا توجد،‮ ‬ولا تستخدم القوة، بما في ذلك،‮ ‬أو علي رأس ذلك،‮ ‬القوة العسكرية، إلا إذا كانت هناك دول أو قوى إقليمية كبيرة، أو مؤثرة في مناطق الأزمات الخطيرة التي تمر بها بلاد المشرق العربي، بل والمغرب العربي، أو في بعضها‮. ‬فالولايات المتحدة الأمريكية سبق لها أن وُجدت، دون وجود إقليمي مؤثر، في أفغانستان، ومن قبلها في فيتنام،‮ ‬وفي كوريا‮. ‬والاتحاد السوفيتي السابق وُجد في أفغانستان من‮ ‬1979‮ ‬إلي‮.‬1989‮ ‬صحيح أن هاتين الدولتين الكبريين، أو العظميين،‮ ‬قد خرجتا من أفغانستان مهزومتين سياسيا، ولكن الأهم هنا هو تأكيد ما سبق ذكره من أن الوجود،‮ ‬والتأثير،‮ ‬والنفوذ في دول،‮ ‬أو أقاليم معينة للصراع،‮ ‬كان يتم من دون وجود أو تأثير إقليمي كبير يسهم في حسم نتيجة الحرب،‮ ‬أو المعركة،‮ ‬أو الصراع الدولي لمصلحة أي من القوى الكبرى التي عانت جميعها ثمنا‮ ‬غاليا للغاية دفعته،‮ ‬مقابل وجودها هناك، أو بسبب ذلك الوجود،‮ ‬أو الاحتلال‮.‬
وربما كانت المقارنة بين حالات التدخل المذكورة ذات دلالة، خصوصا مع إدراك تأثير عامل الجغرافيا السياسية، خاصة في الحالة الأفغانية، سواء من حيث‮ “‬لا بحرية أفغانستان‮”‬، أي كونها دولة‮ ‬غير بحرية،‮ ‬ولا تقع علي محيط، ولا علي بحر، ولا حتى علي بحيرة، فضلا عن الصعوبة البالغة لطبوغرافيا الأرض في تلك الدولة، وهو ما مثل وضعية بالغة الصعوبة جغرافيا للمتدخلين في هذه الدولة،‮ ‬أو الخارجين منها‮. ‬وقد تكون الحالة العربية متماثلة أو متطابقة مع حالة آسيا الوسطي التي تقع فيها أفغانستان، وهو ما خلق من حالة الوصول إليها،‮ ‬والدخول إليها،‮ ‬والخروج منها، كذلك، أمرا سهلا، أو علي الأقل أسهل بكثير من حالة أفغانستان وآسيا الوسطي‮. ‬وهنا،‮ ‬قد تركز الدولة الكبرى في تدخلها علي استخدام مباشر لقوتها العسكرية الموجودة في الإقليم أو المنطقة العربية، أو أن يكون لديها ذلك الوجود للقوة العسكرية داخل الدولة العربية التي تمر بمرحلة أزمة استراتيجية،‮ ‬قد تصل إلي حد الحرب الأهلية، وهذا يجعل القوى الكبرى في تدخلها أكثر فاعلية، كما هو الوضع خلال السنوات الخمس الأخيرة في سوريا، حيث توجد قوة عسكرية روسية داخل سوريا،‮ ‬أو بالقرب منها، وعملية شرعنة استخدام روسيا لتلك القوة بما يقوى نظام الرئيس السوري بشار الأسد،‮ ‬ويمنع سقوطه‮. ‬ويتم ذلك الاستخدام للقوة العسكرية الروسية،‮ ‬خاصة من المناطق التي لا تزال تحت سيطرة الدولة السورية‮. ‬وفي الأسابيع الأخيرة، ومنذ سبتمبر‮ ‬2015،‮ ‬امتد الاستخدام الروسي للقوة العسكرية لحماية نظام بشار الأسد إلي البحر المتوسط، بل وإلي بحر قزوين الذي يقع علي بعد بضعة آلاف من الكيلومترات عن الدولة السورية‮. ‬صحيح أن أطرافا إقليمية تحارب مع بشار الأسد في سوريا،‮ ‬مثل إيران،‮ ‬وحليفها حزب الله الشيعي اللبناني‮. ‬ويعني ذلك أنه في الحالة السورية خاصة توجد قوى إقليمية حليفة لسوريا، وبالتحديد إيران،‮ ‬وحزب الله اللبناني‮.‬ ولكن في المقابل،‮ ‬هناك دول أخرى في الإقليم،‮ ‬مثل المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، تقف ضد نظام بشار الأسد،‮ ‬وتتبني مواقف سياسية متشددة في هذا الاتجاه‮. ‬ولكن اللافت للنظر أن هذه المواقف الإقليمية الأخيرة أقل في تأثيرها في تطور الأزمة السورية، وأن ذلك يساعد علي قدرة القوى الدولية الكبرى علي التأثير والحسم في الحالة السورية،‮ ‬مقارنة بقدرة القوى الإقليمية، وربما تزيد فعاليات وتأثيرات القوى الدولية، خاصة الروسية والصينية، في ضوء حقيقة تدركها تلك القوى الدولية الكبرى علي نحو صحيح، وهي تلك التي تتعلق بوجود قوى إقليمية مؤيدة للدولة السورية، وهي أطراف أقوى من الأطراف الإقليمية المعادية لتلك الدولة، وهو ما يؤدي في النهاية إلي ضعف نسبي في ميزان القوة الإقليمي لمصلحة إيران،‮ ‬ولغير مصلحة دول الخليج العربية، أو بعضها، وهو ما يؤدي في الوقت نفسه إلي زيادة تأثير الدولي علي الإقليمي، أو بعبارة أدق زيادة قوة ونفوذ الأطراف الدولية‮ (‬روسيا خاصة‮)‬،‮ ‬والإقليمية‮ (‬إيران خاصة‮)‬،‮ ‬المؤيدة للدولة السورية علي تلك المساندة لقوى الثورة السورية‮.‬ وربما يتأثر كل ذلك بما ستئول إليه المواجهة في المنطقة العربية، خاصة في دول الربيع العربي، وعلي نحو أخص في سوريا والعراق، مع تنظيم الدولة الإسلامية‮ “‬داعش‮”.‬
وهنا، لابد من القول إنه لما كانت سوريا وحليفتها الدولية،‮ ‬روسيا الاتحادية، وحليفتها الإقليمية،‮ ‬إيران،‮ ‬هي الأطراف الأكثر انشغالا، علي الأقل علي المستوى الرسمي، بخوض حرب قوية فاعلة ضد‮ “‬داعش‮”‬،‮ ‬والإرهاب الدولي، فإن ذلك يدفع الأمور في اتجاه مصالح هذه الأطراف، خصوصا مع‮ ‬غياب الجلاء،‮ ‬والوضوح،‮ ‬والفعالية عن المقابل الأمريكي المسمي التحالف الدولي ضد‮ “‬داعش‮” ‬والإرهاب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية‮. ‬وقد سبق لنا القول إنه ليس تحالفا،‮ ‬وليس فعالا، وهو ما يخدم الاستراتيجية الروسية في سوريا‮.‬
ثالثا‮- ‬أبعاد الصفقة المحتملة‮:‬
 
ربما يكون هناك من يقول إن الصراع يدور ويدار دوليا بصفقة‮ ‬غير معلنة،‮ ‬مؤداها خدمة المصالح الروسية، بل والوجود الروسي العسكري والسياسي في سوريا،‮ ‬بما يؤدي إلي بقاء الدولة السورية،‮ ‬حتى وإن تغيرت بعض عناصر خريطتها السياسية، مع وجود قوى ومؤثر لروسيا في سوريا يساعد علي حماية، بل وتطوير، المصالح الروسية، ليس في سوريا فقط، ولكن في المنطقة العربية،‮ ‬والشرق أوسطية‮. ‬وربما يكون العنصر الثاني المهم، في هذا السياق، خادما أيضا للدولة الكبرى‮ -‬الولايات المتحدة‮- ‬بحيث لا تنتهي الأزمة السورية بهزيمة كاملة للقوة الأمريكية، ولا بنصر كامل للقوة الروسية، وإنما أن يكون هناك اتفاق ينتج عن توافق يؤدي إلي صفقة‮ ‬غير معلنة تقوم في عناصرها المختلفة علي ما يضمن تحقيق مصالح الطرف الروسي في سوريا،‮ ‬ومصالح الطرف الأمريكي في العراق،‮ ‬الذي تعاني السياسة الأمريكية تجاهه بعض المعضلات والتحديات،‮ ‬التي ربما يساعد علي حلها صفقة روسية‮ –  ‬أمريكية،‮ ‬تنضم إليها أطراف إقليمية مهمة، في ذلك السياق، خاصة سوريا،‮ ‬والعراق‮.‬
وعلي المستوى الدولي، خاصة في أوروبا الغربية، وعلي نحو أخص في فرنسا وألمانيا، وفي بريطانيا، ربما تكون الأمور تسير الآن في اتجاه الانضمام إلي جهود دولية كبيرة ومهمة لمكافحة إرهاب‮ “‬داعش‮” ‬الذي لم يعد مقصورا علي سوريا أو العراق، وإنما يمتد إلي بلاد عربية أخرى‮.‬ وقد كان ذلك الامتداد إلي القارة الأوروبية، وفرنسا تحديدا،‮ ‬ظاهرا وجليا في عام‮ ‬2015،‮ ‬خاصة في شهر أكتوبر من العام نفسه‮. ‬ولقد كان رد الفعل علي هجمات إرهابية مدمرة علي باريس واضحا وساعيا إلي تبني خطوات وسياسات قوية من جانب المجتمع الدولي، خاصة أوروبا ضد‮ “‬داعش‮”‬، خصوصا في سوريا والعراق‮. ‬ومعني ذلك أن دول أوروبا الغربية ستكون علي تنسيق، أو ربما تحالف جديد،‮ ‬مع روسيا من أجل ضرب‮ “‬داعش‮” ‬في كل مواقعها، خاصة في سوريا والعراق‮. ‬وسيكون معني ذلك أن الضربات الجوية الكثيرة،‮ ‬والكبيرة،‮ ‬والقوية التي تقوم بها روسيا، بالتعاون مع الدولة السورية،‮ ‬يمكن أن تعطي إطارا فعالا للدول الأوروبية،‮ ‬والتي من الواضح حتي الآن أن منها اثنتين في الطريق،‮ ‬هما فرنسا وألمانيا، وقد تكون بريطانيا، أيضا، طرفا،‮ ‬بعد تصويت البرلمان البريطاني،‮ ‬بعد أيام قليلة من تاريخ كتابة هذه المقالة في أواخر نوفمبر من عام‮ ‬‭.‬2015
وقد يقول البعض إن ثمة تحالفا‮ ‬غربيا، أو دوليا تقوده الولايات المتحدة الأمريكية لمكافحة الإرهاب، وإنه منطقي أكثر أن تنضم إليه الدول الأوروبية التي نتحدث عنها هنا‮. ‬ولكن ربما نسي هؤلاء أن ما يسمي التحالف الغربي ضد الإرهاب هو قائم علي الورق، ولكنه لم يحقق أهدافه المعلنة، ويعاني أوجه ضعف سبق ذكرها‮. ‬ومن ثم،‮ ‬فإنه سيكون أمام الدول الغربية عدة بدائل‮: ‬إما أن تعيد مع الولايات المتحدة الأمريكية بناء تحالفها الدولي ضد الإرهاب علي أساس قوي،‮ ‬وفعال،‮ ‬وسليم، وإما أن تشارك في التحالف الذي تقوده روسيا، وهو بديل ذو تكلفة،‮ ‬أقل وعائد أكبر للطرفين الروسي والغربي، وإما أن تسعي إلي بناء تحالف جديد،‮ ‬ستكون تكلفته السياسية أكبر بكثير، خصوصا في ضوء حقيقة أن مثل ذلك التحالف الجديد لن يكون قادرا علي تعبئة أو ضم الدول أو القوى الإقليمية المهمة والمؤثرة علي الأرض في الداخل السوري‮.‬
وربما يكون ذلك احتمالا أضعف، أيضا، في ضوء حقيقة وجود قوى سياسية في بلاد‮ ‬غرب أوروبا معارضة بوضوح وقوة لما تعده توريطا لأوروبا في صراع ليست هي في حاجة للانضمام إليه،‮ ‬أو المشاركة في إدارته،‮ ‬نظرا لتكلفة ذلك العالية اقتصاديا وسياسيا‮.‬
وإذا كان الصراع علي المستوى الدولي في مكافحة الإرهاب في المنطقة العربية والشرق أوسطية يقوم بالأساس علي السياسات والمصالح الروسية،‮ ‬و/أو الأمريكية، فإن الإطار الإقليمي للصراع ذاته يضم أكثر من دولتين، إذ يشمل قوى إقليمية شرق أوسطية‮ ‬غير عربية مهمة،‮ ‬هي إيران،‮ ‬وتركيا،‮ ‬وإسرائيل، ودولا عربية مؤثرة،‮ ‬علي رأسها مصر والمملكة العربية السعودية،‮ ‬وسوريا،‮ ‬والعراق‮.‬
إن إيران حليف إقليمي لروسيا، ولذلك أهميته في تحديد نطاق الفرصة والمصلحة اللتين تحظي بهما روسيا في التعامل مع أزمات المنطقة العربية، خصوصا مع استمرار الدولة السورية في تحالفها طويل الأجل مع روسيا،‮ ‬القوة الدولية، ومع إيران،‮ ‬القوة الإقليمية‮. ‬فإذا ما عملت الدول الغربية من خلال تحالفات، حتي لو كانت وقتية،‮ ‬مع إيران،‮ ‬فإن ذلك سوف يخدم الطرفين وسياساتهما، خصوصا علاقاتهما الثنائية‮. ‬وإيران بالفعل كذلك، فهي حليف مهم لكل من سوريا وروسيا،‮ ‬وهي أيضا تتمتع بعلاقات ثنائية جيدة مع الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي‮.‬
ولعل ما حدث في سبتمبر‮ ‬2015‮ ‬من إقرار اتفاق إيران النووي مع دول‮ (‬5‮+‬1‮)‬، دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي،‮ ‬وألمانيا‮ – ‬يشير إلي‮ ‬غياب الصراع، ولو تدريجيا، من خريطة العلاقات الإيرانية‮ – ‬الأمريكية والأوروبية‮. ‬ومعني ما تقدم أن وجود صفقة روسية‮ – ‬أمريكية، أو‮ ‬غربية، في التعامل مع قضية مكافحة الإرهاب، وقضية الأزمة السورية الحادة والممتدة،‮ ‬هو أمر وارد، إن لم يكن‮  ‬قائما بالفعل، وذلك علي المستويات السياسية، بل وحتي العسكرية‮.‬
واللافت للنظر أن مثل تلك الصفقة قد تقوم علي عنصر السماح لروسيا باستمرار نفوذها في سوريا بالتعاون مع إيران‮.‬ وفي المقابل،‮ ‬لا تنازع روسيا نفوذ الولايات المتحدة في العراق، وذلك أيضا في إطار تفاهم مع إيران‮.‬
وتتأسس تلك الصفقة، أيضا، علي دور لتركيا يقوم علي حسابات تتمثل في كون تركيا قوة شرق أوسطية مهمة لها شبكة علاقات‮ ‬غنية مع المنطقة والعالم، ولها تواصل جيواستراتيجي مع آسيا الوسطي،‮ ‬والبحر الأسود، ومع العالمين الغربي والإسلامي‮. ‬ومع ذلك، فإن حساسية علاقات تركيا مع قوى دولية،‮ ‬مثل روسيا،‮ ‬ومع أطراف إقليمية مهمة،‮ ‬مثل مصر والسعودية، وبحكم طبيعة علاقتها الخاصة مع جماعة الإخوان المسلمين، تجعل لتركيا أهمية، ولكن من دون أن تصل إلي حد الحسم في إدارة صراعات المنطقة‮. ‬ومعني ما تقدم أن تركيا قد لا ترحب بمثل تلك الصفقة، لكنها لن تكون قادرة علي إيقافها،‮ ‬أو إفشالها‮.‬
أما إسرائيل، فرغم كونها قوة إقليمية مؤثرة، فإنها لا تستطيع ولا تريد أن تقف في وجه مثل تلك الصفقة‮. ‬إن تعقد الموقف،‮ ‬وامتداد أزماته،‮ ‬وضبابية مستقبله تجعل إسرائيل ذات مصلحة في استمرارية الصراع،‮ ‬لأنه يحقق مصلحتها،‮ ‬ويرهق ويبتز قدرات القوى والدول العربية الرئيسية،‮ ‬ويضعها في موقف أصعب،‮ ‬وأعقد،‮ ‬وأضعف، وذلك من خلال استمرار الفشل في إدارة الصراع علي نحو ينجح في إنهائه،‮ ‬وتخفيض خطورة نتائجه علي أطراف الإقليم الشرق أوسطي، فيما عدا إسرائيل التي لا تشارك بقوة في إدارة الصراع وأزماته، ومن ثم لا تدفع ثمنا‮ ‬غاليا ماليا،‮ ‬واقتصاديا،‮ ‬وسياسيا،‮ ‬وعسكريا‮. ‬وباختصار،‮ ‬فإن فشل التحالفات الدولية في معالجة الموقف، مع التشابكات الحادة والمعقدة،‮ ‬يؤدي إلي إضعاف الطرف العربي إزاء الطرف الإسرائيلي، وهو ما يتضح الآن في سياسات إسرائيل القائمة علي الاستيطان الكبير العنيف في الضفة الغربية،‮ ‬وتكرار الضربات العسكرية علي قطاع‮ ‬غزة‮. ‬ولذلك،‮ ‬لن يكون‮ ‬غريبا أن تسعي إسرائيل إلي خلق مشاكل تؤدي إلي استطالة أمد الصراع، خصوصا في فلسطين وإسرائيل، علي النحو الذي يجعل من مثل هذه الصفقة‮ ‬غير المعلنة بين روسيا وأمريكا هدفا استراتيجيا مهما قد تسعي إسرائيل إلي الانضمام إلي جهود تحقيقه‮.‬ فإن فشلت،‮ ‬أيدت بشكل‮ ‬غير مباشر تلك الصفقة،‮ ‬لأن نتائجها قد لا تكون ضد مصالحها،‮ ‬إلا إذا استمرت المواجهة والحرب،‮ ‬ونجح تحالف دولي حقيقي في القضاء علي الإرهاب، وهو ما يمكن أن يقود إلي اختفاء الإرهاب من المنطقة، ومن ثم الإضرار بمصالح إسرائيل الاستراتيجية‮.‬
د. مصطفى علوي أستاذ العلوم السياسية،‮ ‬كلية الاقتصاد والعلوم السياسية،‮ ‬جامعة القاهرة‮.‬
نقلاً عن السياسة الدولية
كلمات دليلية
رابط مختصر