شيعة لبنان في إفريقيا.. الدور والمستقبل

شيعة لبنان في إفريقيا.. الدور والمستقبل
مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 22 فبراير 2016 - 12:32 مساءً

تمثل إفريقيا إحدى الوجهات المفضلة للهجرة اللبنانية، وتشير بعض الإحصائيات إلى أن 350 ألف لبناني على الأقل منتشرون عبر القارة، وتمثل ساحل العاج، والسنغال، ونيجيريا أهم أقطاب الجاليات اللبنانية المقيمة في إفريقيا، بجانب آلاف اللبنانيين الآخرين يقيمون تقريبا في كل الدول الإفريقية، وتعيش الجاليات اللبنانية حياة يسودها الرخاء هناك، وهي أساسية ومنافسة لكثير من الجاليات الأخرى، إذ تبلغ قيمة الاستثمارات اللبنانية في إفريقيا نحو 45 مليار دولار تسبقها الصين بـ 75 مليار دولار أميركي.

يمارس معظم المواطنين اللبنانيين المتوزعين عبر القارة أنشطة تجارية، وفي السنغال التي تعود بداية الهجرة اللبنانية نحو هذا البلد إلى عام 1870م أنشأ اللبنانيون على مدار السنين أكثر من 65 ألف موطن عمل، وهناك مستوى اندماج كبير لللبنانيين في السنغال، حيث يشكلون “الجيل الرابع من السنغاليين ذوي الأصول اللبنانية”، وهناك العديد من اللبنانيين اندمجوا بصورة كاملة في السنغال على غرار فيصل شرارة رئيس مجلس إدارة صندوق الضمان الاجتماعي السنغالي والذي ينحدر من أصول لبنانية.

كما يتمركز الكثير من اللبنانيين كذلك في الدول المنتجة للألماس على غرار الكونغو الديمقراطية وسيراليون وغينيا الاستوائية وغينيا وإفريقيا الوسطى، ويتمتعون في هذه الدول بسجلات تجارية رسمية لشراء الألماس الذي يصدرونه نحو بلدهم الأصلي لبنان، وعلى ضوء ذلك يمثل الألماس أكثر من 80 في المائة من الصادرات اللبنانية نحو بلجيكا.

لعبت الظروف الاقتصادية المهيأة فى إفريقيا وفرص العمل المتوفرة دورا فى استقطاب عدد كبير من الجماعات اللبنانية إذ نجد أن بلاد إفريقيا تحتل المكانة الثانية بعد البرازيل بالنسبة للمهاجرين اللبنانيين فى العالم قاطبة، ولقد تبعت هجرة المسلمين اللبنانيين إلى إفريقيا هجرة اللبنانيين الموارنة بعد عام 1920. وتجدر الإشارة إلى أن الغالبية العظمى من المهاجرين الأوائل من المسلمين إلى بلاد إفريقيا كانوا من الشيعة ومن منطقة جنوب لبنان بالذات، ولعب العاملان الاقتصادى والسياسى فيما بعد دورا فى هجرة المواطنين اللبنانيين إلى إفريقيا، فمنطقة الجنوب اللبنانى التى يسكنها غالبية من الشيعة -بحسب بعض الإحصائيات- تفتقر إلى الموارد الطبيعية الكافية التى تساعد في سد حاجات الإنسان الاقتصادية، علاوة على أن الترتيبات الاستعمارية الفرنسية ساعدت أيضا في خلق طبقات طائفية في لبنان مما جعل الغالبية الشيعية مجموعة اقتصادية وسياسية هامشية إلى وقت قريب.

ساعدت هذه العوامل مجتمعة على هجرة شيعة الجنوب اللبناني إلى الخارج، الأمر الذى تزايدت وتيرته مع احتلال إسرائيل للجنوب اللبناني وتنامي المقاومة المسلحة لهذا الاحتلال والتي قادها الفلسطينيون في البداية، ويمكن إيجاز الأسباب المؤدية للهجرة اللبنانية بصفة عامة، وإلى إفريقيا بصفة خاصة، فى الفترة الزمنية الممتدة من نهاية القرن التاسع عشر الميلادي وحتى اليوم في النقاط التالية:

1- الوضع الاقتصادي المتردي الذي عرفه لبنان فى مراحل عدة من تاريخه، وهذا الوضع انعكس سلبا على الوضع المعيشي.

2- الظروف السياسية التي عانى منها اللبنانيون وخاصة في خواتيم وبداية القرن العشرين.

3- انتشار الأمراض والأوبئة واستشراء المجاعة خلال الحرب العالمية الأولى.

4- السعى وراء تحسين الوضع المعيشى للفرد والرغبة فى الارتقاء الاجتماعي.

5- الأجور المغرية والفرص الجديدة التى عرضت على المهاجرين الأوائل والإغراءات المالية والوظيفية التي تعطى للكفاءات اللبنانية في الخارج وخاصة في البلدان العربية المصدرة للنفط.

6- الحروب التي عصفت بلبنان وخاصة الحرب الأهلية التي استمرت لأكثر من عقدين من الزمان وما رافقها من ظروف أثرت في الوضع الاقتصادي والمعيشي.

7- ضآلة فرص العمل والتي وإن توفرت فإنها غالبا ما تكون معروضة بأجور هي دون تطلعات أصحاب الكفاءات.

8- تدني الرواتب بشكل عام وخاصة في القطاع العام.

9- ازدياد عدد خريجي الجامعات بأكثر من فرص العمل المعروضة سنويا مما يفرض أن تكون لبنان بلدا مصدرا للعقول.

10- ورود أخبار النجاحات التي أصابها بعض المغتربين ورغبة بعض اللبنانيين المقيمين في حذو وسلوك درب الهجرة.

11- وجود أقارب في بلد الاغتراب قد يسهل فى اتخاذ قرار الهجرة نظرا للدعم الذي يمكن أن يقدمه الأقارب عبر تحمل أعباء فترة التكيف فى الاستقبال وعبر توفير المتطلبات الضرورية القانوية للهجرة.

خارطة انتشار اللبنانيين في إفريقيا:

ليبيريا:

منذ وصول اللبنانيين إلى ليبيريا في العام 1895، وزعوا نشاطهم على مختلف القطاعات، في التجارة والصناعة والعمل الاجتماعي والتربية والبنى التحتية، فمنحهم أهالي البلاد ثقة كبيرة توجت بوصول أحد أفراد الجالية اللبنانية (موني قبطان) إلى منصب وزير الخارجية في العام 1997، وتراجعت أعداد اللبنانيين حاليا في ليبيريا بفعل الحرب الأهلية التي عصفت بالبلاد خلال التسعينيات، حيث تشير الإحصاءات إلى وصول عدد اللبنانيين إلى أقل من 1000 بعدما كانوا 15 ألفا في عام 1996.

ساحل العاج:

وفي ساحل العاج، تعتبر الجالية اللبنانية الموجودة هناك منذ عام 1920 الأكبر في القارة السمراء، إذ يزيد عدد أفرادها على 120 ألفا، وهم يشكلون ركيزة اقتصادية مهمة في البلاد، حيث يسيطر اللبنانيون على 60% من الأنشطة الاقتصادية حيث يمتلكون بها أربعة آلاف مؤسسة من بينها 1500 مؤسسة صناعية يعمل بها نحو 150 ألف مواطن من أهل البلاد، وقد حظي اللبنانيون بامتيازات خاصة من قبل الدولة هناك، فمنحتهم دون غيرهم من الجاليات حق العضوية في غرف التجارة والصناعة والزراعة.

نيجيريا:

وفي نيجيريا، تعيش الجالية اللبنانية التي تبلغ حوالي 30 ألفا منذ حوالي 120 عاما. وقد اندمجت في المجتمع المحلي، فأخذت الكثير من عاداته وتقاليده حتى أصبحت جزءا لا يتجزأ من التركيبة المحلية للبلاد. وبرز منها رجال أعمال كبار لعبوا دورا أساسيا في تحريك الاقتصاد المحلي بحيث أصبحوا عاملا مساهما في التقدم الذي حققته نيجيريا إلى اليوم.

السنغال:

يبلغ عدد المغتربين اللبنانيين في السنغال حوالي 25 ألفا، وهم يعملون حاليا في صناعة الصابون والبلاستيك والحلويات. كما نجحوا في احتلال مراكز مهمة سياسيا وعسكريا واقتصاديا في تلك البلاد، مثل النائب في البرلمان علي صالح، والجنرال في الجيش فائز برجي.

سيراليون:

هاجر اللبنانيون إلى سيراليون في عام 1890 حتى بلغ عددهم 25 ألفا في نهاية التسعينيات، قبل أن يقلوا إلى نحو 6 آلاف حاليا، بسبب الأزمات في سيراليون، واستقطبت مناجم الماس أعدادا كبيرة منهم، ويعتبر تاجر الماس جميل سعيد اللبناني الأشهر في سيراليون.

غانا:

استطاع اللبنانيون الذين قدموا إلى غانا في مطلع القرن الماضي، أن ينسجوا علاقات متينة مع الشعب الغاني، ويعتبر عددهم الذي يبلغ ما بين 3-5 آلاف متواضعا بالقياس مع عدد اللبنانيين في الدول الإفريقية المجاورة.

أنشطة المهاجرين اللبنانيين في إفريقيا:

تنوعت أنشطة اللبنانيين في إفريقيا، وقد تمثلت في عدة مجالات أساسية متتالية ومتوازية في أوقات كثيرة، ومنها:

1- الوساطة وتجارة التجزئة: حيث عمل الكثير من المهاجرين الأوائل كوسطاء للقوى الاستعمارية تجاه الوطنيين حيث اتجهوا إلى المناطق الداخلية من القارة الإفريقية التي أحجم الأوروبيون عن الولوج إليها حيث كانوا يقومون بجمع المحاصيل والمنتجات الإفريقية لبيعها للأوروبيين، وكذا بيع المنتجات الأوروبية إلى الأفارقة في المناطق الداخلية، وهو الأمر الذي جعل الكثيرين منهم يتخصصون في مجالات النقل وما يرتبط به من خدمات.

2- تجارة الجملة وخدمات النقل والمواصلات: امتد نشاط اللبنانيين إلى تجارة الجملة وسيطروا عليها في العديد من دول القارة مع إرهاصات خروج المستعمرين واستقلال تلك البلاد، في ذات الوقت الذي اتسعت فيه أنشطتهم في مجالات الخدمات الفندقية، والأنشطة الترفيهية، وخدمات النقل والمواصلات، والاستيراد والتصدير، وشق الطرق والبناء التي لم تعد تقتصر على النقل البري أو الشحن البحري كما هو الحال في معظم الدول التي يوجد بها اللبنانيون، بل امتدت إلى النقل الجوي الداخلي، على نحو ما حدث في دولة الكونغو برازفيل، والخارجي على نحو ما تشهد خبرة شركة مصطفى الحاج في دولة بنين.

3- التصنيع والوكالة: مثل الاتجاه نحو التصنيع خيارا أساسيا للكثير من المهاجرين اللبنانيين في مرحلة ما بعد استقلال الدول الإفريقية بفعل اتجاه العديد من أبناء الدول الإفريقية إلى الأنشطة التي كانت مقصورة على اللبنانيين، وتنامي قدراتهم في تلك المجالات مع تشجيع حكوماتهم لهذا الاتجاه، وتعتبر مجالات الصناعات البلاستيكية، وصناعة الورق والأخشاب والحلوى، ومستلزمات البناء والدهانات، والمنسوجات والمفروشات، والصناعات الغذائية المختلفة، وصناعات الزيوت والصابون، وصناعة الأدوية، وتجميع السيارات وصناعة الهياكل المعدنية للشاحنات، وكذا استخراج الماس وتصديره خاصة إلى بلجيكا، وإلى جانب نشاط التصنيع استطاع البعض من المهاجرين الحصول على توكيلات بعض الشركات العالمية لاسيما في مجال السيارات والأجهزة الكهربائية، وعملوا كوكلاء وموزعين لهم في الدول الإفريقية.

4- الخدمات الفنية والاستشارية والاتصالات: ارتبطت تلك النوعية من الأعمال بالتطورات سالفة البيان بشأن تركيبة المهاجرين اللبنانيين في المراحل الأخيرة للهجرة في نهايات القرن العشرين، حيث تخصص العديد من المهاجرين في تقديم الاستشارات الفنية في مجالات المعمار والصحة وبناء وتجهيز المستشفيات، والاتصالات وشبكات الإنترنت، والصرافة والأوراق المالية، ويُذكر في هذا المقام أن المهندسين اللبنانيين استطاعوا الحصول على مناقصة تصميم وبناء القصر الجمهوري في دولة غينيا الاستوائية، وكذا عدة مناقصات أخرى لشق وبناء الطرق في عدة دول وعواصم إفريقية (من ذلك نيامي النيجر، مالابو غينيا الاستوائية، ياوندي الكاميرون .. إلخ).

يعتمد اللبنانيون في معظم مشروعاتهم على الأيدي العاملة الوطنية (الإفريقية)، على أنه يتم الاعتماد في المستويات الأعلى على الكوادر اللبنانية من المقيمين في الدولة الإفريقية أو من يتم استقدامهم خصيصا لهذا النشاط، ففي نيجيريا على سبيل المثال توظف مجموعة شركات شاغوري للتجارة نحو 000, 100 من النيجيريين مقابل 200 من الأجانب معظمهم بطبيعة الحال من اللبنانيين، وعلى ذات الصعيد يملك فريد مكارم، اللبناني الأصل، سلسلة من مصانع المفروشات يعمل بها نحو 4000 عامل وطني، ويبلغ عدد الشركات المسجلة بأسماء لبنانيين في جنوب إفريقيا نحو 300 شركة، كما سلف بيان أن اللبنانيين أوجدوا نحو 150 ألف فرصة عمل في ساحل العاج، ولا يختلف الأمر من حيث الطبيعة (الاعتماد على العمالة الوطنية) وإن اختلف من حيث حجم العمالة باختلاف طبيعة النشاط وحجمه من دولة إلى أخرى.

ترتبط عملية اندماج المهاجرين العرب في مجتمعات المهجر في أحد جوانبها بطبيعة هذه المجتمعات ومدى تقبلها لهؤلاء المهاجرين من ناحية، ومن ناحية أخرى مدى استعداد هؤلاء المهاجرين للاندماج في هذه المجتمعات، وقبولهم فيها، إلا أن طموح الكثير من هؤلاء المهاجرين الأوائل كان دافعا لتغلبهم على كل هذه الصعوبات والعقبات، وسعيهم الدؤوب لمحاولات الاندماج في هذه المجتمعات والتغلب على كل محاولات التهميش، وقد لعبت العوامل الاقتصادية والثقافية والتعليمية والدينية دورا كبيرا في عملية اندماج المهاجرين العرب في بلاد المهجر، فقد عجز المهاجرون ذوو الإمكانيات الاقتصادية المحدودة عن تحقيق الاندماج، ولاسيما هؤلاء الذين كانوا من أصول قروية ولم يتجاوزوا مرحلة التعليم الأساسي، ولم يتعلموا اللغة الوطنية، وكان أن تكتل هؤلاء في أماكن ومناطق محدودة خاصة بهم، وربما تمثل هذه المجموعة نمط الانعزال والانفصال عن المجتمع الذي تعيش فيه.

أما المهاجرون الذين تمكنوا من تحقيق ثروات لا بأس بها، وكان مستواهم التعليمي فوق المتوسط ومن القادمين أساسا من المدن، فقد مثلوا نمط الاندماج، وقد عمد هؤلاء إلى تقليل علاقاتهم مع أقرانهم من المجتمعات السابقة، والتي كانوا يرونها عائقا يحول دون اندماجهم في مجتمع المهجر بسبب تشبثهم بعاداتهم وتقاليدهم التي نقلوها معهم من وطنهم الأم إلى بلاد المهجر، ينطبق ذلك على المهاجرين اللبنانيين إلى إفريقيا وغيرها من أصقاع العالم.

حين النظر للتأقلم الحضاري والثقافي والاجتماعي للبنانيين مع مجتمعات المهجر، نلاحظ أن هناك أربعة أنماط له:

الأول: نمط الانعزال والانفصال الكامل للمهاجر عن المحيط الاجتماعي والثقافي الذي هاجر إليه، ويعود سبب هذا الانعزال والانفصال لعدم قدرة المهاجر على التكيف والتأقلم مع عادات هذا المحيط وتقاليده، فيحدث أن يلجأ – مع مجموعة من أقرانه الذين يشاركونه الظروف نفسها- إلى التجمع والتكتل في منطقة سكنية محددة، ويكاد تعامله اليومي فيها يكون مقتصرا على هذه المجموعة من أقرانه، بحيث تقل فرص اختلاطه وتعاملاته اليومية – الحياتية مع الآخرين خارج هذه الدائرة الضيقة، وهذا النمط يتم عادة بشكل اختياري.

الثاني: نمط التهميش، وهو يتم بشكل إجباري للمهاجر يجعله يعيش ما يمكن تسميته بـ (أزمة الهوية) حيث يتم تغريبه عن ثقافته وتقاليده، فلا يسمح له بالمشاركة في أي من مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في مجتمع المهجر، بالإضافة إلى تهميشه من جانب هذا المجتمع.

الثالث: نمط الاندماج، وهو يسمح للمهاجر بالمشاركة الفعلية في مختلف مجالات الحياة في بلاد المهجر، وقد يتمكن المهاجر في الوقت ذاته من الاحتفاظ بشخصيته الحضارية الأصلية وثقافته ولغته، ومنظومة القيم والعادات التي ورثها عن مجتمعه الأصلي، فالمهاجر في سعيه للاندماج في مجتمع المهجر يحتفظ بكل مقومات الإرث التاريخي والثقافي والديني في وطنه الأم.

الرابع: نمط الذوبان (الانصهار) وهنا يصبح المهاجر جزءا لا يتجزأ من المجتمع الذي يعيش فيه، بل يعتبره وطنه الأم، وينشغل بهمومه ومشاكله، وينفصل تماما عن ماضي الآباء والأجداد وتاريخهم وثقافتهم، ويسعى لإقامة علاقات اجتماعية وعائلية خارج مجموعته الإثنية التي ينتمي إليها، بل ويسعى إلى فك ارتباطه وعلاقاته معها، لأنه يرى فيها عائقا يحول دون اندماجه الكامل في المجتمع.

هل يشهد الوجود الشيعي في إفريقيا تضييقا ما؟

تتحدث بعض التقارير الرسمية عن تضييق يتم على الجالية الشيعية في إفريقيا، في حين يقول مسؤول اغترابي رفيع لـصحيفة لبنانية: «إنه لا تضييق ممنهجا وواسعا ضدّ اللبنانيين كما يصوّر البعض، ما يوجد هو قرارات متباعدة زمنيا أصدرتها وزارة الخزانة الأميركية أدرجت فيها أسماء عدد من اللبنانيين بتهم تحويل أموال الى حزب الله أو تبييض أموال، واكبتها قرارات مماثلة من بضع دول إفريقية أبرزها توغو وبينين وغانا والسنغال ونيجيريا، باتهام شخصيات بعضها من فعاليّات الجالية اللبنانية في هذه البلاد، والبعض من الأشخاص هم مسؤولون في حزب الله لكنهم قلّة، بينما بعضهم الآخر لا علاقة لهم بالحزب، لا من قريب ولا من بعيد». ويلفت المسؤول المذكور الى أنّ «العدد انخفض من 25 شخصا إلى 15 معتقلين، وقد تمّ تجميد أموالهم، بينما أطلق البقيّة وتجري وساطات معهم كي لا يرفعوا دعاوى أمام المحاكم المختصة للتعويض عن الأذى المعنوي والمادّي الذي لحق بهم».

هذه الوقائع دفعت وزارة الخارجية والمغتربين اللبنانية إلى الاتصال بسفراء الدول الافريقية المعنية «لتوضيح الأمور»، ويعتبر المسؤول المذكور أن «اللبنانيين محبوبون في الدول الإفريقية وهم ركيزة في بناء اقتصادها، وأثناء زيارة الرئيس اللبناني السابق ميشال سليمان أبيدجان خاطبه الرئيس العاجي الحسن واتارا، كاشفاً أن المؤسسات اللبنانية تشغّل 350 ألف عاجي في حين أن مؤسسات الدولة الرسمية لا تضم أكثر من 150 ألفا، وأن الضرائب السنوية التي يدفعها اللبنانيون للدولة تبلغ أكثر من مليار دولار أميركي، في حين أنّ إسهامهم في الناتج القومي المحلي يبلغ 15 في المئة».

وتحدّثت بعض التقارير عن احتمال أن يحذو الاتحاد الإفريقي حذو الاتحاد الأوروبي بإدراج «حزب الله» على لائحة الإرهاب، في هذا الإطار يقول ديبلوماسي لبناني في إحدى الدول الإفريقية ذات جالية لبنانية كبيرة: «لا علم لدينا بوجود أي لوائح إرهاب لدى الاتحاد الإفريقي، كما أن أي قرار يتّخذه يجب أن يحظى بإجماع كل دولِه، أي 52 دولة، وهذا مستحيل وسط رفض دول عدّة لذلك، ومنها دولة جنوب إفريقيا التي تنتمي إلى دول البريكس».

لكنّ الديبلوماسي المذكور، الذي رفض الكشف عن اسمه، يتوقّع مزيدا من التضييق على المغتربين اللبنانيين في إفريقيا بالنسبة إلى نقل الأموال وإصدار الـتأشيرات من وإلى أوروبا، وكلّ ذلك بسبب إدراج ما اسمته الدول الأوروبية «الجناح العسكري» لـ «حزب الله» على قائمتها الإرهابية، «فالتضييق مرشّح للتوسّع نظرا إلى التنسيق الإفريقي _ الأوروبي الوثيق»، كما يقول.

من جهته، يعلّق المسؤول الاغترابي اللبناني الرفيع قائلا: «في هذا الملفّ يتمّ خلط السياسي بالإنساني بسبب مشكلة المقاومة مع إسرائيل». ويروي قول أحد المسؤولين الأمنيين الأفارقة له عن كيفية رصد السلطات المعنية للبنانيين يضعون صورا لهم بالسلاح على حساباتهم الشخصية على الفيسبوك تعلوها صور للأمين العام لحزب الله حسن نصر الله.

وقد شرح المسؤول اللبناني للمسؤول الإفريقي أن قطعة السلاح هي نوع من التراث الذي يحتفي اللبنانيون باقتنائه في بيوتهم، وهذا لا يعني أنهم إرهابيون أو ينتمون إلى «حزب الله» كعسكر، وهم يعيشون مسالمين في إفريقيا وليسوا إلا مناصرين للمقاومة. ويخلص المسؤول الاغترابي إلى القول: «مع الوقت يتبيّن عدم صحة الكثير من الادعاءات، كما حصل مع البنك الكندي الذي ظهر أخيرا أنه لا تترتب عليه أية تهمة مما وضعتها وزارة الخزانة الأميركية، وبالتالي فإن الادعاءات الملفقة غير مقبولة، وهي تدخل في إطار الاستهداف السياسي. الدولة اللبنانية لا تغطي أي مخالف للقانون أو يعمل على زعزعة أمن الدول الإفريقية، لكننا أيضا لا نقبل بالتجني، ونحن نثق بالدول الإفريقية وبرؤسائها ذوي الحس الوطني العالي».

شيعة لبنان في إفريقيا.. الدور والمستقبل:

تشير بعض الإحصائيات الرسمية اللبنانية إلى أن المغتربين اللبنانيين في إفريقيا ينتمي 70 في المئة منهم إلى الطائفة الشيعية، وجلّهم من أهل الجنوب اللبناني، ويدعمون حزب الله اللبناني، وتميزت الهجرات اللبنانية في فترة ما بعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) بزيادة عدد شيعة جنوب لبنان إلى غرب إفريقيا، حيث مثلوا حوالي 90% من مجموع المهاجرين اللبنانيين في تلك الفترة، وهو ما تسبب في نشر المذهب الشيعي في العديد من الدول، مثل السنغال التي بلغ عدد الشيعة فيها نحو 6000 شخص، كما أن التجار اللبنانيين الشيعة في دول غرب إفريقيا شكلوا موردا ضخما للتبرعات لحزب الله، وشكلوا مركزا لنفوذ إيران في غرب إفريقيا، بحسب تقارير صحفية لبنانية.

تعتبر منطقة غرب إفريقيا الغنية بالمعادن والمناجم، مصدر تمويل كبيرا وضخما لحزب الله وإيران على حد سواء، فهما اللذان استطاعا الوصول إلى تلك الدول لزرع استثمارات ضخمة درّت أموالا طائلة إليهما، وأسهمت في توسع نفوذ المذهب الشيعي في تلك الدول، وتجنيد مواطنين من تلك البلاد لنشر المذهب، وتتركز استثمارات إيران وشيعة لبنان هناك في مجال المعادن كالماس والذهب، وبحسب صحيفة الشرق الأوسط، فإن تعداد الشيعة في غرب إفريقيا حتى عام 2010، تخطى حاجز الـ7 ملايين، مشيرة إلى أن طهران وحزب الله كانا سبب انتشار هذا المذهب تحديدا بين مسلمي المنطقة.

نقلت قناة العربية الإخبارية، في يونيو من العام الماضي 2015م، خبر تغريم بنوك لبنانية أدينت بتهم غسيل أموال تابعة لـ “حزب الله”، وهو ما كشفت عنه تحقيقات مطولة للاستخبارات الأمريكية، أثبتت فيه استخدام الحزب لدول غرب إفريقيا في نقل المخدرات بين عملاء تابعين لهم بأمريكا اللاتينية للتوسع في هذه التجارة في منطقة الشرق الأوسط وأوروبا، وأثبتت التحقيقات أن عناصر حزب الله “يجندون” عملاء جددا في سيراليون والسنغال وساحل العاج، بهدف جمع الأموال لصالحه.

فيما ذكرت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، أن لبنانيين مقربين من “حزب الله” يسيطرون على تجارة الماس في عدة دول في غرب إفريقيا أهمها غينيا وسيراليون، قائلة إن هؤلاء اللبنانيين يشكلون خطرا على مستثمرين إسرائيليين يعملون بكثافة هم أيضا في هذه التجارة بغرب إفريقيا.

سعت إيران خلال السنوات الخمس الماضية إلى تعزيز وجودها الاستراتيجي والاقتصادي والاستثماري في أفريقيا وسط تنافس على النفوذ بين دول عربية وإيران وإسرائيل على القارة التي تتمتع بموارد مائية كبيرة، وبدأت طهران توسيع استثماراتها خصوصا في البنية التحتية وصناعة السيارات (تم إنشاء مصنع لتركيب السيارات يعد من أهم وأكبر مصانع تركيب السيارات في غرب أفريقيا. كما زادت السنغال من صادراتها إلى إيران حيث قفزت ما بين 2005 و2006 إلى 240%). ومن النفوذ الاقتصادي توسع النفوذ الديني إذ بنى الإيرانيون حوزة علمية في قلب العاصمة داكار، تسمى حوزة الرسول الأعظم. ووفقا لمصادر عدة فإنه يوجد الكثير من الجمعيات الشيعية الناشــــــــــــــطة في السنغال، ترعاها الجالية اللبنانية ذات النفوذ المالي والاقتصادي القوي، ويعمل بعض هذه الجمعيات في المجال الاجتماعي كمساعدة الأهالي وبناء المدارس والمستوصفات.

ونقلت «هآرتس» آنذاك عن تجار ألماس إسرائيليين في دول غرب أفريقيا أن المشــــــــــكلة الكبرى للإسرائيليين في هذه المنطقة هي أن هناك دولا يسيطر فيها لبنانيون متماثلون في الغالب مع حزب الله، على صناعة الألمـــــــــــــــــاس، وهناك دول صارت تعرف أن حزب الله يعمل كذراع للنفوذ الإيراني في القارة. واعتبرت أن اللبنانييــــــــن يعدون بالملايين في أفريقيا، وقسم منهم شـــــــــــيعة يســــــــاندون حزب الله بالمال الوفير وبالدعم اللوجيستي، مما يسهل أكثر نقل المذهب الشيعي وبناء الحوزات العلمية والمراكــــــــــــز الثقافية.

إعداد – الكاتب السوداني محمد خليفة صديق

*نقلاً عن الراصد

المراجع:

1-   الجالية اللبنانية في إفريقيا، مقال منشور بموقع وكالة الأنباء الإفريقية (بانا).

2-   الوجود اللبناني في إفريقيا: قضايا الماضي والواقع، وآفاق المستقبل، مقال منشور بمجلة قراءات إفريقية، نوفمبر 2014م.

3-     لبنان في غرب إفريقيا.. قصة الاغتراب والثروة، مقال كتبه إبراهيم مصطفى، منشور بموقع دوت مصر، على الرابط: http://old.dotmsr.com/ar/1001/2/106135

4- 7 ملايين شيعي في غرب أفريقيا وتأسيس «مجمع أهل البيت» في غينيا، صحيفة الشرق الأوسط، 11 مايو 2010 العدد 11487.

كلمات دليلية
رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة مركز الأئمة الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.