هل قال الرسول الكريم أن الفتنة ستخرج من بيت عائشة؟

هل قال الرسول الكريم أن الفتنة ستخرج من بيت عائشة؟
مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 9 يوليو 2017 - 8:50 مساءً

السؤال:

لقد عشت أيامًا صعبة في الدين الشيعي، ولكني أعملت عقلي بعد ذلك، وأرجو أن يهديني الله لسواء السبيل، ويريني الحق حقًا ويرزقني اتباعه، لي سؤال: هل قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ستخرج الردة أو الكفر من بيتي وأشار إلى بيت عائشة رضي الله عنها)؟

الجواب:

الحمد لله

لعل من أكثر الإشكالات التي تقيد عقول بعض المسلمين استجرار العقد التاريخية للتأثير على العقائد والأفكار، والتمحور الكامل حول تلك العُقد وكأنها أحداث معاصرة ماثلة للعيان، رغم كونها قضت وانتهت، واستبدلت بأحداث معاصرة جسام، لا تقل خطرا أو شأنا عن ذلك التاريخ، فيبقى ذلك العقل الضعيف أسيرا للماضي، وينسى حاضره وما فيه من آلام وآمال، فيحيا حياة منقوصة، ويؤمن بعقيدة مشوَّهة على قدر ما يشوب التاريخ من تشوهات وأوهام.

هكذا يمكننا أن نلخص الملحظ الذي نرى ضرورة تنبيهك إليه، وعنايتك به، أن لا تجعل التاريخ – حتى لو كان حقيقيا – سببا للغفلة عن مقاصد الإسلام الحنيف التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم، فالإسلام منظومة مقاصدية مبنية على أركان عظيمة وجليلة، تتمحور حول توحيد الخالق جل وعلا بالعبادة ضمن أركان الإيمان الستة العظيمة، وحول الأركان العملية الخمسة التي بني عليها الدين، وأيضا حول المقاصد الأخلاقية والقيمية التي بعث النبي صلى الله عليه وسلم ليكملها ويتممها في البشرية كلها، وهي جميعها مدار آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، بعث لأجلها عليه الصلاة والسلام، يلخص ذلك كله جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، في كلمته المشهورة بين يدي النجاشي، حيث قال له: (أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ، وَصِدْقَهُ، وَأَمَانَتَهُ، وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللهِ لِنُوَحِّدَهُ، وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنَ الحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ، وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنِ الْفَوَاحِشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصِّيَامِ، قَالَ: فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الْإِسْلامِ، فَصَدَّقْنَاهُ وَآمَنَّا بِهِ وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ، فَعَبَدْنَا اللهَ وَحْدَهُ، فَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَحَرَّمْنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا، وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا) رواه أحمد في ” المسند ” (3/266) بإسناد حسن.

أليس من الخذلان أن نجعل تلك الحوادث مثار نزاع وافتراق بيننا اليوم، وقد كفانا الله عز وجل بلاء تلك الأيام، وسلَّمنا من الفتنة العظيمة التي وقعت بين الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وإذا كان أهل السنة يعتقدون الحق مع معسكر علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، فإنهم مع ذلك لا يختارون خندق الذم أو خندق الانتقاص من الأعراض أو الطعن في الدين والعقيدة، وإنما يدافعون عن حق المحق بالكلمة الطيبة، ويسألون الله العفو والمغفرة للمخطئ من الصحابة الكرام، ويحسنون الظن بالجميع، فقد توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض جميعا، بل قال الله عز وجل: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة 100].

وأنت ترى اليوم الكثير من الأحداث العظام التي تقع ولا نتمكن من معرفة حقائق وتفاصيل ما جرى فيها، رغم وسائل الاتصال الحديثة جدا، وأساليب التوثيق المتقدمة أيضا، وكثرة الباحثين والمختصين والدارسين المتعمقين في تلك الأحداث، ومع ذلك لا نتمكن من الوقوف على حقيقة الحادثة وما جرى فيها، فكيف هو الحال عند دراسة التاريخ القديم في أحداث الفتنة وتفاصيل ما جرى بين الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، مع ندرة التدوين والتصنيف يومئذ، وكثرة التشويه والتحريف من قبل الرواة والمصنفين بعد ذلك، وتشابك الأحداث وتداخلها، فهل من العقل والحكمة أن نجعل تلك الأيام هواجسنا صباحا ومساء ومدارا لتصنيف الناس واستحلال أعراضهم بل ودمائهم لهذا الطرف أو ذاك.

ثانيا:

رغم ذلك كله نقول جوابا على الحوادث المذكورة في السؤال بكل وضوح، إنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ستخرج الردة أو الكفر من بيتي وأشار إلى بيت عائشة رضي الله عنها)، بل لم يرو ذلك أحد من المحدثين، ولا يعرف له إسناد، وكفى بذلك دليلا على بطلانه ورده.

إلا أن الذي وقع أن بعض الناس ممن امتلأت قلوبهم حقدا وغيظا على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قاموا بتحريف معاني بعض الروايات الحديثية، وفهمها فهما مشوَّها ليس له أي حظ من النظر، وكان من تولَّى كِبرَ هذا الإفك مجموعة من كتب الشيعة، مثل ” بحار الأنوار ” للمجلسي (31/639 ترقيم الشاملة)، وضامن المدني في كتابه ” وقعة الجمل ” (ص/46)، وعبدالحسين في كتابه ” المراجعات ” (ص/424) والتيجاني السماوي في كتابه ” فاسألوا أهل الذكر ” (ص/105-106)، وكتابه ” ثم اهتديت “، وغيرهم.

وبيان ذلك أن كتب السنة مليئة بروايات حديث ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَأْمِنَا وفِي يَمَنِنَا. قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَأْمِنَا وفِي يَمَنِنَا، قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ: هُنَاكَ الزَّلاَزِلُ وَالْفِتَنُ، وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ» [رواه البخاري (1037)، ومسلم (2905) واللفظ للبخاري].

وجاءت روايات أخرى صحيحة وصريحة بأن المقصود جهة الشرق، وهي نجد أو العراق، وكلها في جهة الشرق بالنسبة إلى المدينة المنورة.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشِيرُ إِلَى المَشْرِقِ فَقَالَ: هَا إِنَّ الفِتْنَةَ هَا هُنَا، إِنَّ الفِتْنَةَ هَا هُنَا، مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ» [رواه البخاري (3279) ومسلم (2905)].

وتوسع العلماء وشراح الحديث في بيان معنى الحديث ومقصوده، وكيف كانت نجد الجزيرة أو نجد العراق مكانا للشرور والفتن، ففسره بعضهم بأن المقصود خروج مسيلمة الكذاب في البحرين، وفسره آخرون بأن المقصود الفتن التي تقع في العراق والأحداث العظيمة التي يقتل فيها الحسين بن علي وغيره من الصحابة الكرام، ينظر موقعنا الجواب رقم: (99569).

وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قائما على المنبر، مستقبلا أصحابه الكرام، وأشار بيده إلى جهة المشرق، فإن حجرة عائشة رضي الله عنها ستكون عن يساره أيضا عليه الصلاة والسلام، وستكون في جهة المشرق أيضا، فاستغل ذلك بعض الحاقدين المتحاملين، وحرفوا جميع الروايات الصريحة السابقة، وقالوا إن المقصود شخص عائشة رضي الله عنها، وأنها سبب للفتنة والشر الذي يصيب الناس؛ وزين لهم الشيطان تلك الضلالة برواية لم يفقهوا المراد بها!!

فالحديث مشهور من رواية نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وأخذه عن نافع جماعة من أصحابه هم: عبد الرحمن بن عطاء، وعبد الله بن عون، وعبيد الله بن عمر، والليث بن سعد، كلهم يرويه بسياق صريح واضح أن المراد جهة المشرق حيث يطلع قرن الشيطان. ينظر للوقوف على جميع هذه الطرق ” المسند الجامع ” (10/789).

فجاءت رواية أخرى تفرد بها جويرية عن نافع بلفظ: «قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا، فَأَشَارَ نَحْوَ مَسْكَنِ عَائِشَةَ، فَقَالَ: هُنَا الفِتْنَةُ – ثَلاَثًا – مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ» [رواه البخاري (3104)].

فإذا نظر الباحث المنصف الفهم، علم أن الإشارة المقصودة إنما هي لجهة المشرق، ولكن لما كانت حجرة عائشة رضي الله عنها إلى جهة المشرق، عبر الراوي بقوله (فأشار نحو مسكن عائشة) يعني يريد جهة المشرق، وليس شخص أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها خاصة، ويؤكد ذلك كلمة (نحو)، أي: جهة، ولم يقل (إلى عائشة).

وقد جاء في رواية عبيد الله بن عمر عن نافع: (أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَامَ عِنْدَ بَابِ حَفْصَةَ، فَقَالَ: بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ) وفي لفظ (عند باب عائشة فقال بيده نحو المشرق) كما في ” صحيح مسلم ” (2905)، فظهر أن المراد الجهة، وأما الحجرات فليست مقصودة لذاتها.

وهل من المعقول أن يدعو النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة للشام ولليمن، ثم يطلب الصحابة الكرام رضوان الله عليهم منه أن يدعو لنجد، فيجيبهم بأن مسكن عائشة مصدر الفتنة وقرن الشيطان، أي عقل يقبل هذا الفهم السقيم، وأي مناسبة بين أول الحديث وآخره تبعا لهذا التحريف الغريب.

هذا وقد روى الحديث أيضا – سوى نافع – جماعة من تلاميذ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، كعبد الله بن دينار، وسالم بن عبد الله بن عمر، وبشر بن حرب، وغيرهم، كلهم يرويه بلفظ: (يشير إلى المشرق) رواه البخاري (3279، 3511) ومسلم (7400)، ومسند أحمد، وغيرهما، ينظر ” المسند الجامع ” (10/833-834)، ” السلسلة الصحيحة ” (رقم/2494).

ألا يتساءل مَن فهم الرواية بهذا الفهم السقيم كيف لم يفهم أحد من الصحابة الكرام جميعهم هذا الوجه المحرف، رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب به على المنبر الشريف!

وإذا كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها مقصود النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الحديث، فكيف يبقى معها ويموت في حجرها رضي الله عنها وهي أساس الفتن وقرن الشيطان والعياذ بالله!

ألم يكن النبي صلى الله عليه وسلم أشفق الناس على أمته، وأحرصهم على وقايتها من الشر والفتنة، فكيف يسكت إذن عما يعلمه مما ستقوم به زوجته أم المؤمنين رضي الله عنها!

بل كيف يسكت الصحابة الكرام – ومنهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم – عن ذلك، ولم يراجعوه عليه الصلاة والسلام في شأنها، ولم يستأذنوه في تخليص المسلمين من الفتنة التي تخرج من بيتها!

هل نقل أحد من المؤرخين، أو المحدثين أن أحدا ممن حضروا تلك الخطبة فهم أن المقصود شخص عائشة رضي الله عنها!

ثم هل يرضى مسلم عاقل أن ينسب إلى خير البرية وسيد البشرية محمد صلى الله عليه وسلم أن يكون بيت زوجته، وأحب نسائه إليه، الذي هو بيته هو، أن يكون مكانا لقرن الشيطان، بدل أن يكون منارا يضيء للبشرية إلى يوم القيامة، كما كان في واقع أمره، وهل هناك ما يمكن أن ينتقص به من قدر نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم أكثر من ذلك التحريف والتشويه والطعن في بيته وعرضه عليه الصلاة والسلام!!

وقد كان الوحي يتنزل في حجرتها الشريفة رضي الله عنها، والنبي صلى الله عليه وسلم معها في لحاف واحد، فهل يعقل أن تغدو تلك الحجرة مطلعا للشيطان، وبفهم محرف للتاريخ!

ألم يدفن عليه الصلاة والسلام في تلك الحجرة، وسيبقى جسده الشريف الطاهر فيها إلى يوم البعث، والأنبياء أحياء في قبورهم، ورغم ذلك يصف عليه الصلاة والسلام مقره ومستقره في حياته ومماته بأنه مكان الفتن ومطلع قرن الشيطان!!

وكيف يخبر عمار بن ياسر رضي الله عنه – وهو من أبرز مَن قاتل مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه – أن أم المؤمنين عائشة ستكون زوجة نبينا صلى الله عليه وسلم في الجنة، وذلك فيما يرويه البخاري (3772) عَنِ الحَكَمِ قال: (سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ، قَالَ: لَمَّا بَعَثَ عَلِيٌّ عَمَّارًا وَالحَسَنَ إِلَى الكُوفَةِ لِيَسْتَنْفِرَهُمْ، خَطَبَ عَمَّارٌ فَقَالَ: إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ ابْتَلاَكُمْ لِتَتَّبِعُوهُ أَوْ إِيَّاهَا)، فإذا كانت حجرة أم المؤمنين سببا للفتنة فكيف يخبر عمار بن ياسر بأنها زوجة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة!

بل إن رواة الحديث عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فهموا الحديث على وجهه الصحيح، وحملوه على أن المقصود به نجد العراق، كما روى الإمام مسلم في ” صحيحه ” (2905) عن سَالِم بْن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، يَقُولُ: ” يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ! مَا أَسْأَلَكُمْ عَنِ الصَّغِيرَةِ، وَأَرْكَبَكُمْ لِلْكَبِيرَةِ! سَمِعْتُ أَبِي عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ الْفِتْنَةَ تَجِيءُ مِنْ هَاهُنَا – وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ – مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ» وَأَنْتُمْ يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ “.

فمن أين أتى هؤلاء المحرِّفون بالمعنى الغريب الذي نسبوه لهذا الحديث، ولم يَرِد عن أحد من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد ممن قاتل مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه في وجه عائشة وطلحة والزبير رضي الله عنهم.

يقول الشيخ الألباني رحمه الله:

” طرق الحديث متضافرة على أن الجهة التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم إنما هي المشرق، وهي على التحديد العراق، كما رأيت في بعض الروايات الصريحة، فالحديث علم من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم، فإن أول الفتن كان من قبل المشرق، فكان ذلك سببا للفرقة بين المسلمين، وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة كبدعة التشيع والخروج ونحوها، وقد روى البخاري (7/ 77)، وأحمد (2/ 85، 153) عن ابن أبي نعم قال: ” شهدت ابن عمر وسأله رجل من أهل العراق عن مُحرم قتل ذبابا فقال: يا أهل العراق! تسألوني عن محرم قتل ذبابا، وقد قتلتم ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هما ريحانتي في الدنيا» وإن من تلك الفتن طعن الشيعة في كبار الصحابة رضي الله عنهم، كالسيدة عائشة الصديقة بنت الصديق التي نزلت براءتها من السماء، فقد عقد عبد الحسين الشيعي المتعصب في كتابه ” المراجعات ” (ص 237) فصولا عدة في الطعن فيها وتكذيبها في حديثها، ورميها بكل واقعة، بكل جرأة وقلة حياء، مستندا في ذلك إلى الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وقد بينت قسما منها في ” الضعيفة ” (4963- 4970) مع تحريفه للأحاديث الصحيحة، وتحميلها من المعاني ما لا تتحمل، كهذا الحديث الصحيح، فإنه حمله – فض فوه وشلت يداه – على السيدة عائشة رضي الله عنها، زاعما أنها هي الفتنة المذكورة في الحديث (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا) معتمدا في ذلك على الروايتين المتقدمتين: الأولى: رواية البخاري: (فأشار نحو مسكن عائشة)، والأخرى رواية مسلم: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيت عائشة فقال: رأس الكفر من ههنا)، فأوهم الخبيث القراء الكرام بأن الإشارة الكريمة إنما هي إلى مسكن عائشة ذاته، وأن المقصود بالفتنة هي عائشة نفسها! والجواب، أن هذا هو صنيع اليهود الذين يحرفون الكلم من بعد مواضعه، فإن قوله في الرواية الأولى: (فأشار نحو مسكن عائشة)، قد فهمه الشيعي كما لو كان النص بلفظ: (فأشار إلى مسكن عائشة)! فقوله: (نحو) دون (إلى) نص قاطع في إبطال مقصوده الباطل، ولاسيما أن أكثر الروايات صرحت بأنه أشار إلى المشرق، وفي بعضها العراق. والواقع التاريخي يشهد لذلك.

وأما رواية عكرمة فهي شاذة كما سبق، ولو قيل بصحتها، فهي مختصرة جدا اختصارا مخلا، استغله الشيعي استغلالا مرا، كما يدل عليه مجموع روايات الحديث، فالمعنى: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيت عائشة رضي الله عنها، فصلى الفجر، ثم قام خطيبا إلى جنب المنبر (وفي رواية: عند باب عائشة) فاستقبل مطلع الشمس، فأشار بيده، نحو المشرق. (وفي رواية للبخاري: نحو مسكن عائشة) وفي أخرى لأحمد: (يشير بيده يؤم العراق) فإذا أمعن المنصف المتجرد عن الهوى في هذا المجموع قطع ببطلان ما رمى إليه الشيعي من الطعن في السيدة عائشة رضي الله عنها، عامله الله بما يستحق ” انتهى من ” السلسلة الصحيحة ” (رقم/2494) (5/655).

وقال الشيخ عبد القادر صوفي عن هذا التحريف إنه استدلال باطل:

” يرُدّه أنّه صلى الله عليه وسلم كان واقفًا على منبره الذي يقع غرب بيوت أزواجه رضي الله عنهنّ، وغرب بيت ابنته فاطمة رضي الله عنها؛ حيث كانت البيوت كلّها عن يمين المنبر في جهة الشرق، وهو أمرٌ لا يقبل جدالاً أو مراءً، فكما سوَّغ الرَّافِضَة لأنفسهم أن يفسّروا جهة المشرق ببيت عَائِشَة رضي الله عنها، قد يسّوغ النواصب أن يُفسّروا الجهة ببيت فاطمة رضي الله عنها، وهذا حَمَقٌ من الطائفتين” انتهى من كتابه ” الصاعقة ” (ص/151).

ويقول الدكتور إبراهيم الرحيلي حفظه الله:

” في بعض الروايات جاء ذكر بعض من يقطن تلك البلاد من القبائل، ووصف حال أهلها، فعن أبي مسعود قال: أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده نحو اليمن فقال: «ألا إن الإيمان ههنا، وإن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين، عند أصول أذناب الإبل، حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر» فدلت هذه الروايات دلالة قطيعة على بيان مراد النبي – صلى الله عليه وسلم – من قوله: (الفتنة هاهنا)، وأن المقصود بذلك بلاد المشرق، حيث جاءت الروايات مصرحة بهذا، كما جاء في بعضها وصف أهل تلك البلاد وتعيين بعض قبائلها، مما يظهر به بطلان ما ادعى الرافضي من أن الإشارة كانت إلى بيت عائشة، فإن هذا قول باطل، ورأي ساقط، لم يفهمه أحد، وما قال به أحد سوى هذا الرافضي الحاقد ” انتهى من ” الانتصار للصحب والآل من افتراءات السماوي الضال ” (ص/323).

ويقول الشيخ شحاتة محمد صقر:

” كلام الشيعة لا يعني إلا أحد شيئين:

إما أن يقولوا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنى بتلك الإشارة عائشة نفسها.

أو يقول أنه صلى الله عليه وآله وسلم قصد مسكنها نفسه.

فإن قالوا الأول فبطلانه واضح من معرفة التراكيب اللغوية التي في الحديث، وأنها لا تستعمل إلا للإشارة لمكان معين لا لشخص، كقوله (مِنْ حَيْثُ) وقوله (هَاهُنَا الْفِتْنَة) يشير إلى مكان تستوطن فيه الفتنة.

وإن قالوا الثاني، وهو أنه صلى الله عليه وآله وسلم أراد مسكنها نفسه، فلا يمكن أن يكون كذلك طيلة حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو مقّر السكن فيه، ويتردد إليه كل يوم فيه نوبة عائشة رضي الله عنها، بل كان يتردد إليه أكثر من بيوت زوجاته الأخريات بمقدار الضعف، فإن لعائشة رضي الله عنها في القسم يومين، يومها ويوم سودة بنت زمعة رضي الله عنها التي وهبته لها لعلمها بمحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها.

وأكثر من ذلك أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان في سكرات موته يحب أن يُمَرّض في بيت عائشة رضي الله عنها دون بيوت سائر زوجاته، وبقي هناك حتى توفي صلى الله عليه وآله وسلم في بيت عائشة رضي الله عنها، ودفن فيه رغم أنوف الرافضة.

ولم يبقَ من القول مجال إلا أن يقولوا إنما عنى به مسكن عائشة رضي الله عنها بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا إن قالوه فإنما ينادون على أنفسهم بالويل والثبور، إذ إن مسكن عائشة رضي الله عنها تحول بوفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى قبره الشريف، ولم يعد بيتا لها حتى ينسب إليها، وكيف يستجيز عاقل أن يرضى الله تعالى لحبيبه وعبده محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يدفن في مكان هو مطلع الفتنة على حدّ زعم الرافضة!

وإن المرء ليتعجب من آيات الله تعالى أن جعل مسكن عائشة رضي الله عنها مكانا يمرض فيه عبده وحبيبه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ثم يجعله مدفنا له وقبرا، ثم يتم ذلك بأن دفن إلى جواره صاحباه ووزيراه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.

وهذا القول المفترى من قبل الشيعة لو كان له أي وجه أو احتمال لعلمنا بأحد قاله أو ذكره أو احتج به ممن خالف أم المؤمنين رضي الله عنها، ممن هو من طبقة التابعين أو بعدهم، أما الصحابة فلا يظن بأحد منهم اعتقاد مثل هذا قطعًا، فلما لم نجد أحدا قاله علمنا بأنه محض افتراء وبهتان لأم المؤمنين رضي الله عنها من قبل الشيعة، نظير ما فعله أسلافهم من أصحاب الإفك ” انتهى من ” أمنا عائشة ” (91-94).

والله أعلم.

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب.

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة مركز الأئمة الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.